توحيد المصطلحات بالنسبة لغير العاملين في ميدان الترجمة؛ كيف نتعامل مع الاجتهادات المختلفة؟ (يونس توك 21)

أهلا بكم ومرحباً؛ وصلني هذا السؤال عبر منصة يومي:

مرحبًا
شكرًا جزيلًا لك على ما تقدمه
كثيرًا ما يحدث أن الادبيات في التخصصات التربوية التعليمية تحتوي على اكثر من كلمة كترجمة لمصطلح انجليزي واحد ، وكثيرًا ما يسبب هذا ازمه لي عندما اتناقش مع شخص واحتاج لهذه المصطلحات.. فكلانا لديه وجهة نظر معينة حول افضل ترجمة للمصطلح وحول ما يعنيه ! وينقسم اصحاب التخصص لأحزاب او جماعات حسب مصطلحاتهم وهكذا..
فما هو افضل حل لهذه المشكلة؟
اعادة الترجمة؟ ام مراجعة كل المصطلحات والخوض في النقاشات لفصل مسائل المصطلحات؟ الاتفاق على معجم واحد فقط للتخصص، وتعميمه لجميع البلدان العربية؟
هذا ما يخطر في بالي..
يسرني ان اسمع رأيك في هذه المسألة، و إن وجدته يستحق أن يكون موضوعًا للبودكاست فجزاك الله خير الجزاء

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛ الإجابة في الحلقة:

https://anchor.fm/benamara-younes/episodes/ep-e291j9/a-a5effl

الأسماء والروابط  المذكورة في الحلقة:

روابط أخرى مفيدة:

  • منصة التدرّب على الترجمة – ترجم (من محمد ديوب)
  • منصة توفر لك مراجعة مجانية لسيرة الذاتية بمختلف اللغات (المراجعة بشرية) وغيرها من الخدمات: منصة سيمبي. (تنويه: تسجيلك عبر هذا الرابط سيمنحني نقاطا في المنصة)

عرض: إن أردت الترجمة كمترجم وكاتب ضيف في موقع تقنية 24، الذي أتولى رئاسة تحريره حالياً مرحباً بك. اتصل بي عبر الإيميل واكتب (مترجم ضيف -تقنية 24).

بعض المواقع التقنية التي أرشحها: (على سبيل المثال لا الحصر)

تعلّم معي اللغات الأخرى: حسابي على الدولينغو:
https://www.duolingo.com/youneskkc

لإرسال تساؤلاتكم:

لمن يحبذ طريقة التواصل بالبريد الإلكتروني: أرسل سؤالك إلى younesleeyoungae@gmail.com مع عنوان: يونس توك.

لمن يحبذ طريقة تواصل خصوصية: أرسل سؤالك على صراحة: https://younesben.sarahah.com/

شكرا لكل من شجعني على هذا العمل. مودتي.

نُشِرت في يومياتي, يونس بن عمارة, يونس توك | الوسوم: , , , | تعليق واحد

كيف أحسّن من لغتي الفصحى لأغراض الترجمة؟ (يونس توك الحلقة 20)

أهلا بكم ومرحباً؛ وصلني هذا السؤال عبر البريد الإلكتروني:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اخي انا اجيد اللغة الانجليزية افضل من لغتي الام من ناحية القواعد اما لغتي عندي الكثير من الاخطاء كيف اتعلم قواعد اللغة العربية و اتحدث الفصحى بطلاقة و ايضا هل يجب ان اكون متقن للغة العربية الفصحى لكي اترجم و اذا نعم كيف احسن من لغتي العربية

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛ الإجابة في الحلقة:

https://anchor.fm/benamara-younes/episodes/ep-e276p9/a-a5a4d1

الأسماء والروابط  المذكورة في الحلقة:

روابط أخرى مفيدة:

  • منصة التدرّب على الترجمة – ترجم (من محمد ديوب)
  • منصة توفر لك مراجعة مجانية لسيرة الذاتية بمختلف اللغات (المراجعة بشرية) وغيرها من الخدمات: منصة سيمبي. (تنويه: تسجيلك عبر هذا الرابط سيمنحني نقاطا في المنصة)

عرض: إن أردت الترجمة كمترجم وكاتب ضيف في موقع تقنية 24، الذي أتولى رئاسة تحريره حالياً مرحباً بك. اتصل بي عبر الإيميل واكتب (مترجم ضيف -تقنية 24).

بعض المواقع التقنية التي أرشحها: (على سبيل المثال لا الحصر)

تعلّم معي اللغات الأخرى: حسابي على الدولينغو:
https://www.duolingo.com/youneskkc

لإرسال تساؤلاتكم:

لمن يحبذ طريقة التواصل بالبريد الإلكتروني: أرسل سؤالك إلى younesleeyoungae@gmail.com مع عنوان: يونس توك.

لمن يحبذ طريقة تواصل خصوصية: أرسل سؤالك على صراحة: https://younesben.sarahah.com/

شكرا لكل من شجعني على هذا العمل. مودتي.

نُشِرت في يومياتي, يونس بن عمارة, يونس توك | الوسوم: , , | 2 تعليقان

بماذا أنصح شاباً عشرينياً يعمل ويدرس، لكن يعاني من عدم الالتزام؟

يشتهر بيل غيتس (أو بيل بوابات حسب احد فصول مقدمة ابن خلدون الحديثة) بمقولة هي أنه سيختار الأكسل (من الكسل وليس من برنامج الإكسال) عندما يتعلق الأمر باختيار المهام وايكالها. لانه سيجد اقصر الطرق واكفئها لفعل ذلك. لكن الكسالى العرب ممن يتكئون على هذه المقولة نسوا حقيقتين هما:

  • ان الكسول المقصود قد اجتاز بالفعل مقابلة عمل مايكروسوفت. وبالتالي فان له مميزات يندر ان تجدها في سائر البشرية
  • ان الكسل هنا مقصود به غالبا الكسل البدني اما العقلي فلا لان ايجاد اسهل الطرق واكفئها يتطلب عقلا نشطا جدا

من هذه البداية وكما سنتحدث فيما بعد يعتبر “طرح الأسئلة الصحيحة” من وجهة نظري احد اهم الادوات المعرفية التي يتوجب على العشريني العربي ان يعرفها ويتقنها لان طرح الاسئلة الخطأ (وهذا غالبا ما يحدث) يضيع الوقت ويدمّر المهارات ولا يؤدي إلى أي طريق.

بعد أن نشرت مقال: ما الذي أنصحُ به شاباً عمره 17 ومقبل على دراسة الطب؟ (تم تحديث المقال) كتب (سائل اخر) في تعليق ما يلي كسؤال:

شكراً لك على إجابتك على سؤاله، وأتمنى أن لا أكون أزعجك بسؤالي التالي، لكن قلت طالما أجبت على أحدهم قد تملك إجابة شافية لسؤالي.

بماذا تنصح شاباً عشرينياً وهو منخرط في جانبي العمل والدراسة. ولكنه يعاني مشكلة إلتزام تهدد مسيرته في السلكين العملي والأكاديمي؟ الاستسلام وبيع القضية لديه أسهل من شربة ماء، ويفضل شراء راحة باله مهما غلا الثمن.

وهذا ما سنحاول الاجابة عليه هنا، وبعد تفكّر وجدت ثلاثة نقاط يمكنها ان تحقق المطلوب باذنه تعالى:

1- الهندسة العكسية للادمان:

غالبية العشرينيين العرب يحبون أن يصبحوا قراصنة رقميين أو يدعّون بانهم كذلك من هنا لن يكون مصطلح الهندسة العكسية غريبا عليهم جدا. لكنهم للاسف يتغافلون عن فائدة هذه الفكرة او الاداة المعرفية في صندوقهم الذي يملكونه فوق أكتافهم: الدماغ البشري.

إن معاملة عقلك كبرمجيات (سوفت وير) بحيث يمكنك تثبيت البرامج والادوات الجديدة فكرة محفزة بالفعل وجيدة وقد استثمرها الكثيرون في كتب تنمية الذات. تعتبر كتب تنمية الذات انطلاقا من هذه الفكرة برمجيات مفيدة في الغالب لتطوير نفسك إلى نسختها الثانية؛ من هنا انصح بكتاب (انسان بعد التحديث) للكاتب شريف عرفة.

وبمعرفة ذلك؛ تعتبر الهندسة العكسية للادمان هي ان نعكس آلية الادمان  فنجد امامنا الانضباط والالتزام وهي في نظري تتم كالتالي:

  • اكتب ثلاثة امور انت مدمن عليها: مثلا مسلسل انيمي، الكافيين ومتابعة كرة القدم.
  • امسك كل عنصر على حدا واطرح فيه عشرة اسئلة متعددة الطبقات، وماذا نقصد بمتعدد الطبقات يعني كل مرة تطرح سؤال بعد الاجابة على السؤال الاول مثلا. لماذا احب ون بيس؟ لان الرسم جيد والقصة محبوكة بامتياز. لماذا الرسم جيد والقصة محبوكة بامتياز؟ الاول لان الاستديو تبعها متفوق في عمله والثانية لان اودا هو المؤلف. من هو اودا؟ بحث عن سيرته الذاتية … الخ

ما الفائدة من مثل هذه الاسئلة؟ اولا انها تعرفك على جوانب من نفسك لم تكن لتعرفها. قد تقول كيف ذلك، اذا اخذنا السؤال اعلاه مثلا لما وصلنا الى من هو اودا وتقرا سيرته الذاتية وبالضبط في سنواته العشرينية ستجد الكثير مما يلامسك. ولماذا يلامسك؟ لانك مدمن على منتجه، كل الامور مترابطة في الحقيقة مع انك ستقضي وقتا طويلا في اكتشاف هذه الحقيقة.

هذه الأداة يعني ايجاد ثلاثة أشياء وطرح عشرة اسئلة ثم الاجابة عنها تؤديك إلى ما يلي عادة

  • الخروج بعدة معلومات مفيدة عن نفسك
  • معرفة المزيد عن السيرة الذاتية للناس الذين يهمك منتجهم
  • من هنا استخدام ما استخدموه للوصول الى الانتاجية العالية

قد يقول قائل ولماذا لا نقفز مباشرة الى نصح الشاب العشريني بقراءة السير الذاتية للناجحين. الامر خاطئ لان الشاب العشريني العربي غالبا لن يجد ما يلامسه في السيرة الذاتية للينكولن مع اتفاق معظم البشر انه انسان عظيم.

ان ارتباط “الاعجاب والمودة” رابط مهم لكي ينغرس في النفس ومن ثم يحفز على التطبيق، اضف الى فائدتين اخريين من هذه العملية شديدتا الاهمية وهما:

  • تنمية مهارة “الفضول المعرفي” فينشط العقل ولا يكسل
  • تنمية مهارة “طرح الأسئلة الصحيحة”

في الغالب معظم تلك الاسئلة التي سنطرحها ستؤدي بنا الى سير ذاتية ومعرفة امور لم نكن نعرفها من قبل لان الاعلام لا يسلط عليها الضوء كثيرا مثل شباب اودا على سبيل المثال او الحياة الذاتية لسيرة المدير المالي لنادي جوفنتوس الرياضي. وهكذا. اما ان كنت تحب رياضة التنس مثلا فلن تجد الكثير ومن هنا البحث والتنقيب مهم ونحن ننصح به انطلاقا مما تحب لانه يكون اسهل ولا يصبح “واجبا منزليا”.

كل هذه المعلومات ستشكلك لاحقا وتكون كيانك المميز وعقليتك الفريدة. حتى لو تم لقاء معك في المستقبل وسئلت بم تأثرت وحققت هذا النجاح لن تكون نمطيا وتقول ستيف أعمال او بيل بوابات على سبيل المثال.

بعد ايجاد ثلاثة امور ندمن عليها ونحللها عبر عشر طبقات من الاسئلة ناتي بورقة وقلم او تطبيق مفكرة في الهاتف ونكتب الحقائق وهي ما نستنتجه من تلك الطبقات العشر التي استكشفناها.

على سبيل المثال قد نخرج بحقيقة اننا نميل الى نوع معين من الانيمي والى ادارة معينة لكرة القدم يعني مثلا ربما ستكتشف انك تحب الفريق جراء عنصر معين فيه وما الى ذلك؛ هذه العناصر مهمة لانها مؤشرات على كيف يمكننا اعادة برمجة النفس على الانضباط والالتزام.

2- استعمل الأهداف التي تحقق في مدة زمنية متواصلة دون انقطاع أو stretch goals

هناك مصطلح بالانجليزية يسمى stretch goal وترجمته صعبة طبعا وهو يعني اجمالا” ان تنجز مهمة ما في مدة زمنية محددة دون انقطاع” بمعنى ان تستغل كامل الزخم لانجاز المهمة.

جربت هذه الطريقة لمدة طويلة من الزمن دون حتى ان اعرف اسمها وابدت نجاحا كبيرا. لا بد ان تقسم المهام الكبيرة لمهام صغيرة يمكن انجازها في مدة زمنية دون انقطاع وهكذا تدفع نفسك للمستوى القادم مع كل مهمة.

لنفرض مثلا أنك مصمم جديد وتتقن الكثير من الادوات الا ان اداة pen tool في الفوتوشوب لازالت تمثل لك مشكلة لانك لم تتقنها بشكل كاف. قضاء خمسة ساعات دون انقطاع في اتقانها ثم اتقانها مثال على الهدف المنجز دون انقطاع.

إن كان التخطيط يأخذ وقتاً طويلاً وفي النهاية سيحدث أمر لم يكن بالحسبان، فلم لا يتم اسثمار هذا الوقت في عيش اللحظة والارتجال بدلاً عن التخطيط؟

التخطيط من المفترض الا يأخذ وقتا طويلا التنفيذ هو الذي ياخذ وقت طويل وفيما يخص ‘سيحدث امر لم يكن بالحسبان’ فهذا سيحدث ولا شك لكنه ليس داعيا الى عيش اللحظة والارتجال لماذا؟ لان المخطط يتغلب على غير المخطط في غالب الأحيان وحتى لو غلب غير المخطط المخطط فسيكون صدفة ولن يستطيع تكرارها مرة اخرى. (مع ان هناك لبناني فاز باليانصيب الاماراتي اكثر من مرة! -الحياة غريبة).

لاحظ معي هذا المعنى الدقيق مشكلة الكثير من المخططين انهم لا يكتبون مخططاتهم بشكل واضح. لذلك فالاشياء لما تاتي بعدئذ تمحي كامل المخططات الذهنية لان العقل البشري يفكر بفكرة واحدة كل لحظة وليس بالعديد من الافكار يعني يمكنه التركيز لفترة محدودة فقط.

اذن الكتابة والتنسيق مهم جدا وان يكون الورقة او الملف (وافضل الورقة والقلم) امامك دوما.

أعرف شخصا صديقا لي كان يخطط لزراعة قطع ارض يكتريها ثم يربح من المحصول وقد تتبعت افكاره لمدة وظل عاما كاملا ولم يزرع شيء وذلك للاسباب التالية:

  1. لا يوجد مخطط ورقي او ملف الكتروني مكتوبة فيه كامل التفاصيل. مما يعني انك ستنسى الكثير من النقاط المهمة بمجرد ان ترى منشورا يحبطك على تويتر او يقولون لك ان فلان الذي يكرهك اتى من سفره بمعنى ان اي شعور طاريء سيمحي معلومة مهمة جدا في مخططك الذي (انا احفظه في راسي ولن انساه)
  2. لا يوجد وضوح مكتوب على شكل خطوات لاتخاذها للوصول الى الهدف.
  3. الشريك الذي اختاره غير مؤهل بالمرة وله عيوب منها التسويف والكذب ورسم الجنة في حائط متداعٍ

ولذلك بعد سنة و(الان سنتان ونصف ربما) لم ينجز شيئا وهو اجير لدى غيره براتب قليل جدا. وصديقه الشريك لا يزال يرسم له احلام اليقظة كلما التقاه دون اي فعل على ارض الواقع.

في مثل هذه الحالة قد تاتيك نوبة احباط تعلق فيها مشكلة فشلك في التخطيط على اي خبر سياسي او اجتماعي تراه وهي خدعة عقلية معروفة للاسف وهي تلتصق بالفاشلين والخاسرين كثيرا.

الحل المقترح

وضع مخطط تفصيل يفضل كتابته في ورقة وبقلم ويمكن الوصول اليه بسرعة وتعديله حسب الحاجة. مع وضع خطة ب ايضا وان امكن سي ووضع طرق الفشل وتجنبها يعني تكتب خمسة او ستة سناريوهات فشل وكيف ستواجهها ان حدثت.

تقسيم الخطة الى مراحل ونقاط صغيرة يمكن انجازها في تركيز مكثف على مدار اسبوع عمل او ما شابه

يفضل ان تعمل لوحدك على الخطط التي تستطيع تنفيذها بنفسك وفي حال الشراكة ان تختار شريكا بعناية. قضائك شهرا في اختيار شريك مميز افضل من السرعة في اختياره لانك متحمس لاطلاق مشروعك. (من تعليقي على حسوب).

3- عُدة العقلية: الادوات المعرفية اللازمة

لا بد ان تعيد تعاريف الاشياء بالنسبة لك. باختصار لا بد ان يكون لديك مباديء واضحة تجاه اهم الامور. مثلا لدي قانون شخصي ينص انني لا اصادق الكذابين. لا يهم مهما كان مستواهم العلمي او الاداري لكن ان كان كذبهم مستمرا وبلا دواعي لا يمكن ان اصادقهم. كتابة (الذهنية او الواقعية) لقوانينك الشخصية ضرورية جدا للوضوح.
من قوانيني الشخصية الاخرى مثلا (لا اهتم بالسياسة مطلقا) ولا ادخل مناقشاتها سواء سلبا او ايجابا خاصة في الانترنت.. انا اعطيك الامثلة كي يتضح الامر لك وصدقني. لو اخبرتك كم سيفيدك قانون واحد فقط طيلة ستة اشهر مثلا سيدهشك. عدم الانجراف في السياسة او المناقشات العقيمة حولها في النت بامكانه ان يجعلك تقرأ خمسين كتابا في تلك الفترة. او تمارس نشاطا لطالما اهملته. القوانين الشخصية ضرورية لوضوح الصورة.

بعد بناء القوانين لا بد ان تحتشد هذه القوانين والمبادئ حول قيم اخلاقية ما، دين، ايدولوجية. لو لم تملك واحدا لا بد ان تؤمن بواحد. كثيرون من رواد ورؤسو التقنية الكبرى يؤمنون بالكايزن –الزن- الفلسفة الرواقية. شخصيا كثير من مباديء الشخصية وقيمي رواقية تماما وحولها مبنية قوانيي الشخصية

وفي الحقيقة لا بد ان تبني كونك من الصفر في هذا لفضاء البديء. وهذا الكون فيه اشيائه الخاصة: فصلنا قوانين والمباديء ولا بد ان تبني مدينتك العقلية الخاصة التي فيها القاب واوسمة وتقييمات شخصية. ومؤشرات

الألقاب: ما اقصده بالالقاب الا ترمي بالفاظ مثل صديق- صديق مقرب-صديق حميم –انسان محترم- انسان فاضل-عالم جيد هكذا. انما تبنيها على مؤشرات. فمثلا يمكن ان يكون صديقك كل انسان مع انك تقبل باخوته الانسانية بشكل عام لكنه ليس صديقك وضوح الحدود والمعايير ضروري لبناء (كون داخلي) في عزلتك يمضي (كما تريد انت بالضبط). وهكذا دواليك

ما نقصده بالمؤشرات هو معرفة حالتك النفسية والمادية والبدنية. يكون لديك مقاييس معينة واحتياطات معروفة وهذه المؤشرات تتم عبر مصادقتك مع جسدك فمع ان الكون الذهني مبني في عقلك الا ان الجسد له افكار اخرى (هناك الف عصبون في الامعاء يمثل عقلا بمفرده –لهذا لا يخطئ الناس كثيراً لما يقول لك بطني قادتني). مختصر هذه النقاط هنا هو معاملة نفسك كدولة -بجميع مؤسساتها-.

معرفة جسدك واحتياجاته بدقة وعقد معاهدات معه ومعاملته بالحسنى وما الى ذلك ضروري جدا كي لا تنشب صراعات لأنه لو نشبت لن يريحك ولما لا يريحك سيدمر كل ما بنيته في عزلتك.

لا تطبق قوانينك الشخصية مباشرة على من هو حولك في عزلتك بل تدريجيا فقط حتى يتأقلموا عليها. وهذه النقطة تسير كالتالي ان طبقت ما اعلاه بشكل صحيح: (يحاولون قولبتك) (تفشل محاولاتهم) (يكررون المحاولات) (يحاولون فهمك) (محاولة قولبتك مجددا) (يحاولون التاقلم عليك كما انت ) (تفشل محاولاتهم) (يحاولون مجددا قولبتهم) (يستسلمون) (يتأقلمون معك) (يتقبلونك كما انت) وانا احدثك الان من المرحلة الاخيرة واذكرك انها ليست النهاية لكنها ليست موضوعنا كذلك هنا.

عزز دفاعتك في حصنك النفسي هذا. التعزيز ياخذ وقتا طويلا جدا. لكنه ضروري. (نظرا للمحاولات المتجددة التي ذكرناها في نقطة السابقة)؛ من تعليق لي على حسوب بتصرّف.

ومع أني في مقالي السابق الموجه للشاب بعمر 17 لم انصح بأي كتاب أو أضع روابط تحيل لشيء خارج النص الأصلي بحيث يتطلب قرائتها لفهم الصورة العامة، إلا أن الامر يختلف هنا لأن العشريني يحتاج إلى فعل كل ما في وسعه لتطوير نفسه واكتشافها وتأسيس ما سيبني عليه لاحقاً كل حياته. لذلك هذه قائمة أولية بسيطة تلميحية لأمور مفيدة في هذه النقطة:

هؤلاء في الحقيقة يكفونك كبداية إن التزمت (والالتزام تكلمنا عنه في النقطة الأولى) بتجريب وتطبيق ما يقولونه ويشيرون إليه؛ وبطبيعة الحال لا يقتصر الأمر عليهم فعقلك جهازك لا بد من تحديثه بين الحين والآخر. أتمنى لك كل التوفيق والنجاح في حياتك ومهما طال الزمن سيسرني أن أقرأ تعليقك بتحقيق ما تريده في كونك الخاصّ.

 

 

نُشِرت في مقالاتي, يونس توك, احبابي | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

ليس عليك أن تكون عربياً كي تعجب بهذه التدوينة

مترجم من النشرة البريدية، Nishi، عدد 10‏/09‏/2018 التي يعدها Miguel Ferreira:

كان “بيل ببرناخ” يؤمن بمبدأ بسيط يتمثل في الحقيقة التالية:

“في التسويق، لا بد ان تكون مختلفا والا فأنت تنتحر معنويا”

في وقت ما أوائل الستينيات، طلب الرجل الذي كان يملك محل المخبوزات “ليفي” من بيل بيرناخ أن يبدي رأيه في تسويقه لمحله، فسأله بيرناخ أين يعرض إعلاناته؟

فأجاب الرجل “في الجريدة اليهودية”

فقال بيرناخ “تلك هي مشكلتك”

كان الأصل اليهودي لخبز الجاودار الذي يطهوه محل ليفي هو ما يجعل مخبوزاته مختلفة، لكن كان عليه أن يجعل هذا “الاختلاف” أكثر بروزا وجاذبية ويعرضه امام جمهور لا ياكل خبز الجاودار.

ولان معظم اليهود الذين يعيشون في مدينة نيويورك كانوا مهاجرين فقد كانوا لا يتناولون خبز الجاودار المغلف بل يشترونه طازجا من المخبز مباشرة.

وهكذا اطلقت الوكالة الإعلانية التي يملكها بيرناخ حملة ترويجية سماها “ليس عليك ان تكون يهوديا كي تحب مخبوزات ليفي”
            

 

وبدلا من استهداف اليهود، استهدفت الحملة الصينيين والسود والأمريكيين الأصليين والبولنديين والإيرلنديين واليابانيين والمنحدرين من بورتو ريكو وكانت الرسالة الكامنة للحملة هي احتفاؤها بالتنوع والاختلاف الذي تضمه مدينة العالم كله: نيويورك.
وقد كان للحملة أثر السحر بالفعل على نجاح مخبوزات متجر ليفي.ومن ثمة اصبح خبز الجاودار الذي يبعيه متجر ليفي الأفضل مبيعاً من نوعه في نيويورك ثم الأفضل في الولاية كلها ثم الأفضل على مستوى البلاد.

نُشِرت في يونس بن عمارة, ترجماتي | الوسوم: , , | أضف تعليق

مراجعة 1Q84 الجزء الثالث – هاروكي موراكامي (دون حرق)

اهلا بكم قراء مدونتي الاعزاء، كنت من قبل قد وضعت بعض النقاط التي استفدتها بعد قراءة الجزئين الأول والثاني من رائعة هاروكي موراكامي 1Q84، والان بعد الانتهاء من قرائتي الجزء الثالث ساكتب خواطري عنه وعن القصة ككل.

كالعادة نجد هاروكي هنا حكّاء بارعا ونساجّا محترفا لخيوط السرد، ويمضي الجزء الأخير من الكتاب في البناء على القواعد الأولى التي شيدت في الجزئين الاول والثاني، الشخصيات الرئيسية مرسومة ببراعة، لكن مستوى التوتر عال يجعل القراء يقلبون الصفحات بلهفة ترقبا للسؤال الكبير: هل سيلتقي تنعو باومامه ام لا؟

في غضون بسط القصة وتفاصيل الطعام والتنقلات والكثير من القطارات والاقامات المؤقتة في الفنادق والشقق، ينثر هاروكي ببراعة الأسئلة الوجودية التي تحير الانسانية مثل ما هي طبيعة العالم الواقعي؟ ما هي ادق طريقة لوصفه؟ ما هو الزمن؟ وهل هو حقا بُعْدٌ يمضي دوما نحو الامام وليس دائريا على سبيل المثال؟

يواصل يوشيكاوا بحثه الجاد والحثيث عما يسعى ورائه في تحقيقه البوليسي المحترف، فيما يواصل والد تنغو بطريقة ما تحصيل الاشتراكات لصالح تلفزيون ان اتش كيه.

ما يعجبك في هاروكي موراكامي هو طمسه للحدود بين الواقع والخيال بفرشاة رسم سردية بارعة لا تبقي اي فجوات فلا تحس بفجاجة التحول بين الواقع والخيال كما انك لا تحس بادنى مستوى من السخف او اللاواقعية وانت تقرأ عن اللاواقع ذلك ان هاروكي موراكامي وكما يقول ابطال الواقعية السحرية “ان ما كتبناه قد يبدو غريبا لكن الواقع الحقيقي لو وضع تحت التفحص الحكيم لوجدت انه اغرب من الخيال”

يحيل هاروكي ايضا كعادته الى مواضيعه المفضلة مع انه لا توجد هناك كثير اشارة الى القطط لكنها موجودة (مع انها لا تتكلم هنا) هناك ايضا الغربان ، وهناك الولع بالآذان (وان كان موجودا في اخر الرواية ككل)، وهناك فكرة الاحتجاز (سواء القسري او الطوعي) في مكان صغير وهي ثيمة يبرع فيها اثنين من اعظم الكتاب العالميين وهم: بول اوستر، وكافكا. بخصوص ثيمة الاحتجاز في الحقيقة لا يوجد ابرع من بول اوستر في وصفها ادبيا.

هناك ايضا احالات الى كارل يونغ واحداث تاريخية اخرى وهناك رواية البحث عن الزمن المفقود لمارسيل بروست، وهناك الحديث عن الروايات ومجال النشر بدون ان يسبب لك ذلك الملل.

وفي الخلفية هناك اسطورة اوديب. يمكن القول ان معظم قصص هاروكي هي حبكة اوديبية معدلة لتناسب الجو الياباني. في غضون قرائتك لهذا الجزء سوف تستشف عقدة اوديب ولكن من وراء حجاب وعلى استحياء.

واخيرا هناك تنغو واومامه وحبهما الذي غيّر العالم فعلياً واللذين تمكنا (بطريقة ما) من صنع الواقع الذي يريدان.

نُشِرت في مراجعات الكتب, يومياتي, يونس بن عمارة | الوسوم: , , , , , | 2 تعليقان

كان لدى جديّ مجموعة من الماعز

تكلمنا من قبل عن العناكب، لكن اليوم سنحكي عن الماعز.

من امتع اللحظات التي قضيتها في مشاهدة ون بيس، هي جولة قبعة القش لوفي في الغابة (المليئة بالأخطار طبعا) دون انتباه لأي خطر وهو يغني بنشاز ممتع “كان لدى جدي مجموعة من الماعز” ، كانت ولا تزال من أفضل اللحظات التي شاهدتها في تاريخ مشاهدتي للأنيمي.

ومع أن أغنية لوفي تقول “كان لدى جدي مجموعة من الماعز جميعها قبيحة وغبية جدا” إلا أن الماعز حقيقة ليس بذلك الغباء.

قبل ان نتكلم عن بعض جوانب ذكاء الماعز، هل لاحظت أن عيونها مختلفة نوعا ما يعني أن البؤبؤ بشكل مستطيل وليس بشكل دائرة! إن لم تلاحظه لاحظه في المرة القادمة التي تزور فيها جدك لترى الماعز.

بالنسبة لذكائها حكت لي امي عن رجل اشترى معزة من احدهم في السوق ووضعها في الشاحنة الصغيرة التي يملكها وذهب بها الى منزله ليجد انه عندما توقف قليلا في احدى الاماكن، قفزت المعزة بخفة ورجعت بكل بساطة لمنزل مالكها. (المسافة ليست قليلة بين السوق ومنزل المشتري).

وعندما عرف المشتري وذهب لمنزل البائع قال له البائع لنغطي عينيها بخرقة قماش وتاكد من ربطها جيدا كي لا تعود.

ذهب المشتري بالمعزة مرة اخرى لمنزله وهذه المرة ربطها جيدا ثم نزع القماش عن عينيها وذهب ليعطيها ما تاكله ثم بعد ان اطمأن لذلك ذهب لياخذ غفوة فقد كان نهارا طويلا عليه. ما إن غفا الرجل حتى قطعت المعزة القيد بفمها ومرة اخرى عادت إلى منزل البائع.

عندئذ وبعد ان نهض المشتري وذهب مجددا لمنزل البائع قال له اعد لي مالي. واحتفظ بالمعزة.

من ناحية أخرى نشر موقع العلوم للعموم، مقالا جيدا عن ذكاء الحيوانات صنف فيه الماعز في الرتبة الثانية بعد الشمبانزي ونقتبس منه:

الماعز -العلوم للعموم.png

لقراءة المقال كاملا (مفيد جدا): ما هي أذكى الحيوانات في العالم وكيف عرفنا مستوى ذكائها؟

إذاً في المرة القادمة التي ترى فيها معزة، تأمل عينيها، وفي المرة القادمة التي تشتري فيها معزة تاكد من ربطها جيداً 🙂

 

نُشِرت في مقالاتي, يومياتي, يونس بن عمارة | الوسوم: , , , , | أضف تعليق

لنتحدث عن العناكب (لا أشعر بأني بخير –قال سبيدر مان للمستر ستارك)

لا أقصد بالطبع تلك المنظمة الغامضة في عالم أنيمي ‘القناص’ أحد مسلسلات الانيمي المفضلة لدي. لقد عشت فعلا مع (غون) و(كيلوا) و(هيسوكا) لحظات حماسية لا يعلى عليها. بالاخص هذين:

  • لما بدأوا المسابقات ووصلوا الى ذلك المستودع ذو الباب الكبير. كنت اتحرك شوقا لمعرفة ما يوجد داخله
  • هيسوكا لما تلقى ضربة على وجهه في مباريات ذلك المبنى العالي
  • ظهور الكلب العملاق الذي يتجول في الغابات المحيطة بقصر عائلة كيلوا

لكننا لن نحكي عن القناص هنا بل سنحكي عن العناكب تلك الحشرات الواقعية الصغيرة والمخيفة.

للمرة الثانية يأتي عنكبوت صغير ابيض اللون يمشي بالقرب من شاشة حاسوبي، المرة الاولى كان قد وصل فجأة لاصبعي واراد ان يخزه لاني احسست بقبضته قليلا تشتد على الرغم من صغر حجمه جدا. لكني ضربته ليذهب بعيدا قبل ان يفعل ذلك. العنكبوت كان مجنونا في نظري اذ لو وخزني في الاصبع كيف ساكتب واترجم لمدة من الزمن. هل هذا ما تفعله باصدقائك يا مستر عنكبوت؟

المرة الثانية لما كان يمشي قرب الشاشة اخذت علبة نكاشات الاذن (ولا ادري من اين اتت كلمة نكاشة) واسرته فيها ثم رميته خارجا. اتمنى من معشر العناكب ان يفهموني. انا اقدر جدا زياراتكم الودية. لكن يكفي زيارات اكن لكم ودا خاصا كمخلوقات لكني لست مهتما بدراستكم ويمكنكم الذهاب الى مختبرات وبيوت علماء يقضون سنوات في تحليلكم وتكاثركم ودراستكم.

على ذكر صداقة العناكب هناك مقولة شهيرة لدستوفسكي يقول فيها

“ﻣﺎﺫﺍ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻌﻨﻜﺒﻮﺕ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺘﻠﺘﻪ ﻓﻲ ﻏﺮﻓﺘﻚ، ﻳﻈﻦ ﻃﻮﺍﻝ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﺃﻧﻚ ﺭﻓﻴﻘﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻜﻦ”

وهذا ما يذكرني بترجمتي لرواية “دعوة إلى جلسة قطعة الرأس” فالبطل سينسيناتوس يصادق في زنزانته عنكبوتا غريب الأطوار. اتذكر اللحظات التي كنت اترجم فيها رواية نابوكوف ..رواية متعبة جدا في العمل لدرجة اني منذ اول صفحة لاخر صفحة احسست اني في الزنزانة مع سنسناتوس وهو شعور مقبض للغاية. مع ذلك انصح بها كراوية لانها ستقرأ بسهولة اكبر من ناحيتك كقاريء.

لحسن حظ البشر معظم العناكب الموجودة في البيوت لا تقتل –الا ان كنت تعيش في استراليا- ولذلك فان وخزها لا يسبب ضررا كبيرا حتى لو وخزتك لكن ينصح ان استمر الالم او بدأ التورم ان تستشير الاطباء مباشرة.

لكن لا تستهزأ بالعناكب.

عنكبوت صغير كاد يقتل امي ذات مرة. سبب لها ثقبا صغيرا في جسدها ثم امتد داخلا حتى مسافة طويلة مرعبة، لكن مع الادوية والعلاج والمتابعة نجت ولله الحمد، وهذا بفضل الله ثم العلم لان العلماء الذين يلبسون المئازر ويدرسون العناكب مثلا ويربونها ويحللون ليس يفعلون ذلك عبثا بل لانقاذك او انقاذي لما يحصل على قدر الله ما نخاف منه.

وعلى ذكر العناكب أيضا هناك قصة من التراث علقت بذهني في هذا الامر وهي ان اميرة ولدت فذهب الملوك –كعادة ذلك الوقت- الى المنجم لينظر طالعها. فقال له هذي يقتلها عنكبوت.

طيب شو عمل الملك؟ راح جاب العمال وعمل قصر من البلور (ربما تطالعون القصة في مكان اخر وتقولون لا يوجد بلور اصلا ) وهذا طبيعي لاني اروي من ذهني وليست من المرجع وهي قصة المفيد ان ترويها لذلك اسكت من فضلك وخليني اكمل..

المهم عمل قصر من البلور كي يظهر فيه كل شيء ولا يدخل عنبكوت او حاجة مؤذية دون ان ندري ووكل بها وصيفات وحراس الخ.

فبينما هي ذات يوم تمشي في القصر البلوري وقع عينها على عنكبوت ميت مرمي في الارض. فقالت: اهذا الذين وعدوني ان يقتلني؟ وسحقته برجلها – ولان القصر بلوري كانت تمشي حافية ان كنت تسأل- فدخل السم في رجلها فماتت والبقاء لله.

حفظكم الله وشكرا لكم.

نُشِرت في مقالاتي, يومياتي, يونس بن عمارة | الوسوم: , , , , , , , , , | تعليق واحد

ما الذي أنصحُ به شاباً عمره 17 ومقبل على دراسة الطب؟ (تم تحديث المقال)

السؤال

عمري 17 سنة وتحصلت على معدل ممتاز في الباكالوريا، اخترت الطب وأشعر بأنني تائه في هذه الحياة لا أعلم ما أريده منها ولا ما تريده مني، في كثير من الأحيان أشعر بأنني أخطأت باختياري للطب، أنا أحب العلوم الطبيعية لكن أشك في قدرتي على الاستمرار في هذا التخصص، أشعر بضياع كذلك من نواحي أخرى منها الجانب الديني، أتمنى أن تنصحني، وما رأيك في تخصص الطب بالجزائر؟

بداية نشكر من طرح السؤال للسماح بالإجابة العلنية عنه لتعميم الاستفادة، ولنحاول الإجابة الآن عليه بعون الله وقوته.

لاحظت أن هناك ثلاث مشاكل رئيسية تظهر في السؤال هي التوهان وهو شعور حيرة يكشف عن عدم معرفة ما الهدف من حياة الشخص والشك وهو شك بالقدرة على فعل أمر أو النجاح فيه في حال فعله أو تحمل تبعات النجاح وما بعده في حال النجاح، والقلق بشأن هل المسار الذي اخترته مسار صحيح ومناسب لي أم لا.

هل الطب خيار جيد لي ام لا بالاخص في الجزائر

اولا نهنيء الطالب على النتائج التي حققها، ونتمنى له كل التوفيق في مسيرته المقبلة، يظن البعض أن من اختار هدفه في الحياة فهو في مأمن وقد نال غرضه وانتهى الموضوع لكن ذلك خاطئ والدليل هو تحول حياة بعض الناس في سن متأخرة من مجال لآخر. ان عدم معرفتك اذن بالهدف الذي تسعى إليه -في حال بذلت جهدك- ليس عيبا. انا هنا لن انصح بخمسين كتاباً لتقرأها لتعرف هدفك ولن أضع أي احالة لأي كتاب وقد تعلمت من زمن أن من يدرس الطب ليس له وقت كي أخبره “اقرا الكتاب الفلاني” لذلك لن أحيل إلى أي عنوان كتاب هنا وستكون بشكل نقاط اعتقد انها ستفيد الكثيرين.

وبداية من الجيد أن تعرف منهجي في محاولة الاجابة عن الاسئلة، وهي انني اجيب على الأسئلة عادة بجعل نفسي قدر الإمكان في مكان الشخص ومن ثم افكر فيما سافعله لو كنت مكانه.

بادئ ذي بدء لما كنت ادرس في المدرسة الوطنية العليا للفلاحة كان لدي كثير من الاصدقاء طلبة الطب كما لدي تواصل الان مع الأطباء وطلبة الطب حتى الآن ولدي نظرة لا بأس بها عن الموضوع واهم ما يمكن نصحك به في هذه النقطة هو ما يلي

1- ” لا تعتمد اقوال الناس عن الموضوع”، أي موضوع كان.

بمعنى، صحيح أن الطب لن تجده كما يبدو في المسلسلات الكورية أو مسلسل “غرايز أناتومي” او مسلسل جوهرة القصر – الذي جعلني اعشق الطب- لكن في ذات الوقت لا داعي لأن تصدق اقوال الناس عنه وذلك أنه حتى لو كان هناك مثل يقول “اسال المجرب ولا تسال الطبيب” إلا أن المجربين في الجزائر العزيزة غالبا وفي كثير من الأحيان يعطونك معلومة خاطئة عن عمد لصرفك عن ذلك المجال وهنا لا تهمنا دوافعهم ما يهمنا هنا هو أنه ليس مصدرا موثوقا أن تعتمد على أراء الناس حول موضوع معيّن.

كما أنك لو التزمت في حياتك المعرفية بأخذ المعلومة من مصدرها مثلا عندما يقولون لك الاستاذ الفلاتي كذا لكنك تعلق الحكم حتى تجرب بنفسك أو تسأله هو شخصيا فإن هذا سيوفر عليك الكثير جدا من وقتك ويعطيك دفعة في حياتك لا مثيل لها. أنا أؤكد بشدة على تطبيق هذه القاعدة، هي قاعدة بسيطة لكنها قدمت لي الكثير في حياتي.

حاول الالتزام بهذه القاعدة في حياتك كلها الناس عادة تعطلك بقول ما تعتفده (هي) عن الأمور التي ستجدها في الغالب ليست كما حكوا لك عنها ابدا (مثلا قصصهم عن الخدمة الوطنية، او تجربتهم في كراء محل تجاري) وكما قلنا لماذا يفعلون ذلك ليس مهما ولسنا علماء اجتماع لبحث هذا الموضوع، الناس تسيء فهم تجاربتها بذاتها وذلك لتفاوت العقول وكما تدرك أن العقول تختلف فالافضل كلما أمكن لك ذلك أن تجرب الشيء بنفسك أو تأخذ المعلومة من المصدر الاصل، وضع تحت الأصل خطوطا بقدر ما تشاء.

من هذه القاعدة بالذات أنصح الا تأخذ بكلام أحد وتعطي فرصة لنفسك لتجريب عام كامل من دراسة الطب في الجزائر. بعد العام اعمل تأمل مع نفسك يعني امنح وقتا لنفسك وفكّر جيدا ثم خذ مشورة من تتوسم فيه الحكمة من عائلتك ونفذ قرارك واختيارك. لكن العام الأول لا بد منه بلا شك.

2- امنح نفسك فرصة للتجربة وتصالح مع نفسك لما تخطأ فانت في سن الأخطاء

ان افضل طريقة لاكتشاف هدفك في الحياة هي تعريض نفسك لأكبر عدد ممكن من التجارب؛ في حالتك قلت انك تحب العلوم الطبيعية لكنك لم تكن لتحبها لو لم تجرب يوما أن تعرف ما هي اساسا

ما اريد إيصاله هنا هو أنه بالتجارب نتعرف على أنفسنا، مشكلة عدم معرفة الهدف هو عدم معرفة أنفسنا لأن معرفتها يتيح لنا أن نعرف بدقة لماذا نصلح ولماذا نحن هنا

ومعرفة النفس لا تتم إلا بالتجارب والدراسة والسفر لها والاقامة بعيدا عن الأهل تجربة فانا اشجع عليها

لا تكن مثلي وتقع في نفس خطأ عدم تجريب ما يكفي.

لقد عشت خمسة سنوات في العاصمة ولم اذهب قط لحديقة الحامة الرائعة أو مقام الشهيد، أنا لم أر هذين المعلمين بعيني ابدا ويشبه الامر كانط الذي عاش ومات ولم يرَ البحر قط مع أنه لا يبعد عن مكان إقامته أكثر من ثلاثين كلم، (يذكر أيضا أنه لم يغادر بلدته أبداً) بالنسبة لي من حسن حظي أن زرت البحر مرارا.

ما أود قوله هو أن الاستكشاف مهم والعزلة اي الاعتكاف بين الحين والآخر ضرورية لكن التوسع في كليهما مضر.

جد نقطة متوازنة بينهما وامض قدما

3-  الاصدقاء

أصدقائك هم ما يشكلونك في نهاية المطاف، لذلك لا بد من حسن اختيارهم ومن ثم الحفاظ على المختارين منهم، وقد صدق من قال قل لي من تصادق أقل لك من أنت.

حاول هنا أمرين (أن تعيد النظر في أصدقائك الحاليين (عملية المراجعة مهمة)، والعمل على اكتساب أصدقاء جيدين جدا). أيضا حاول أن تبقي على صلة الرحم فعالة ونشطة (العائلة الصغيرة والكبيرة)، كما يمكنك أيضا أن تجد أصدقاء (خارج مجال تخصصك) وأصدقاء اكبر منك سنا تثق بهم. حاول ان تكون الروابط بينك وبينهم قوية هنا بعد التأكد من موثوقيتهم وأنهم يقولون ما يفعلون حقا وأنهم أناس صالحون جيدون ذوي كلمة وليس مجرد كلام هوائي لا طائل منه. ستجدهم في الكثير من المواقف والقضايا ولما تضيق بك الدنيا (وستفعل ذلك كعادتها) يمكن للالتقاء بهم او الاتصال بهم أن يخفف عنك.

4-  الأمور المالية

قبل أن أتحدث عن الأمور المالية، أنصح بشدة بتعلم حيل الحياة (life hacks) وهي قواعد بسيطة لانجاز المهام اليومية بأقل تكلفة ممكنة، إن معرفتك بهذه الحيل وتعلمها -عبر النت أو بالاتصال بأمك أو جدتك لأنهما في هذا المجال يعرفان حقا أكثر من غوغل- يكسبك أولا توفيرا هائلا للمال ويجنبك الوقوع في الاخطاء المالية ويحفظ لك مصروفك.

لا بد من تنظيم أمورك المالية بالطبع والاحتفاظ بدفتر جيب صغير لضبطها (مهما كانت قِلّتها) وانتبه إلى ان تسجيلك للامور المالية بالغة الضآلة ليس بخلا لأن التسجيل نفسه والمتابعة له العديد من الفوائد والمزايا. التسجيل يعني انك تضبط امورك وتمنح لعقلك فراغا واتساعا كي يفكر بامور اهم فانت لست في قلق بشأن المصاريف ووجوه انفاقها.

ونصيحتي هذه تسري حتى لو كنت من عائلة غنية ولا تحتاج لضبط أي شيء. لأن عادة الانضباط المالي في حال طبقتها في سنين دراستك سوف تصبح طبعا فيك وطبيعة اخرى متأصلة ستنفعك في حياتك جدا.

5-  الأمور الدينية

اقامة الجامعات تشبه برج بابل، من تعدد اللغات والاعراق والمذاهب والطوائف والأفكار. لذلك قد يكون اعتقادك الديني على المحك وفي اختبار في العديد من المواقف. والمعتقد الديني مشكلة لانك حتى لو قلت لن اجادل احدا بفرض ان لديك افكارك الخاصة فسيجد الناس فرصة او تتعرض لموقف تضطر فيه لابداء وجهة نظرك. وفي هذا الجانب انصحك بأمرين فقط: تعلم الضروري من الدين والمقصود بهذا المصطلح هو المعلومات الأساسية التي ينبغي على كل مسلم معرفتها في دينه، وعدم الدخول في أي مناقشات أو مناظرات دينية. وخذها مني هي لن تفيدك. حتى لو انتصرت في ألف مناظرة. يمكنك بين الحين والآخر متابعة النقاشات التي تدور في الجامعة والإقامة لكن دون أن تتعلق بها. فقط من باب معرفة آراء الآخرين ودع الامور والمناقشات لأولئك المتحمسين لها.

6- السياسة مفسدة للشباب

إن المطر الوحشيّ الذي ينزل على رؤوسنا يوميا كأخبار سيئة وشريرة يدمر النفسيات على المدى الطويل، ولسبب ما أطلقت شركة غوغل خدمة “غوغل سمّعني خبراً جيدا“، لذلك ما أنصح به هو عدم متابعة الأخبار السياسية بشكل نهائي إن أمكن والتقليل منها خاصة في الأوقات الصباحية وقبل النوم لأنها مضرة جدا. والاقتصار فقط على الأخبار الجامعية المهمة والمرتبطة فقط بالتخصص الذي تدرسه.

أضف إلى ذلك من الخطر أن تشترك في الحركات السياسية النضالية داخل الجامعة، نظرا لانك حتما ستكتشف لاجدواها في وقت متأخر بعد أن يفوت الأوان فلكل شخص أجندة ولكل مجموعة إيديولوجية وستكون فقط إن تابعتهم وقودا يحترق سريعا وتستعمل لأغراض لا علاقة لها بالشعارات التي يرفعونها ويخدعون بها الناس. (حتى لو اقسموا بالله على أن نواياهم طيبة فالجميع يقسم).

هنا أعيد الاستشهاد بكلام الاديب العراقي أحمد سعداوي (45 سنة) في منشور له على حسابه الرسمي في موقع فيسبوك بتاريخ 21 أغسطس 2018 :

بالنسبة لي لا أريد أن يشارك أحدٌ من الشباب بأي معركة عادلة أو خاسرة، لا أريد لأحد أن يتحمّس لأي قضايا كبرى. لا أريد أن نكون جزءاً من معسكر اليمين ضد الشمال، أو الشرق ضد الغرب، أو جماعة الليل ضد جماعة النهار، وجماعة الشاي ضد جماعة القهوة.
هناك حياة فائضة… حياة غزيرة ملوّنة ومتنوعة، خارج هذه الثنائيات. هناك عالم واسع من الكائنات البحرية، خارج مستنقعنا هذا الذي نسمّيه بحراً.

بالنسبة لي أنا فهمت هذه المعلومة مذ كنت في 21 من عمري وسرت عليها وحققت انجازاتي الصغيرة والحمد لله. لذلك من الممكن للشباب العربي أن يتعلم هذه الحكمة ويسير وفقها فينجح.

7-  تنظيم الوقت وارساء نظام المذاكرة

بما أنك متحصل على معدل جيدا جداً فلا بد أن تنظيمك للوقت ممتاز، وحتى إن لم يكن مثاليا فلا بأس فهذا يعني أن لديك الحد الأدنى من تنظيم الوقت، (لن تعوزك طرقه إن بحثت بنفسك) ونفس الشيء بالنسبة للمذاكرة بل أدعوك حتى أن تكتب تجربتك لاحقا لافادة طلبة الباكلوريا الذين يقف أمامهم عتبة صعبة الارتقاء حالياً. وتزداد صعوبة عاما بعد آخر. من ناحية الطب في عامك الأول ومع أنك قد تواجه بعض الصعوبات في التعرف على نظام الدراسة الجديد عليك أول الأمر ومختلف المواد وطريقة حفظها واستكشافها إلا أنه طبيعي جدا في الفترة الأولى لاسيما مع تبدل لغة الدراسة نهائيا (الاولوية للفرنسية) لذلك حاول أن تكسب هذه اللغة بشكل جيد جدا في أقرب فرصة تتاح لك. ولا أفضل من التعلم الذاتي لذلك لن تفيدك الدورات المدفوعة كثيرا في هذا المجال.

أرجو أن أكون قد أفدتك انت ومن سيطالع هذا. وأتمنى لك وللجميع عاما دراسيا مكللا بالنجاح والتوفيق.


تحديث بتاريخ 9/7/2018

قلتُ في المقال ما يلي:

من هذه القاعدة بالذات أنصح الا تأخذ بكلام أحد وتعطي فرصة لنفسك لتجريب عام كامل من دراسة الطب في الجزائر. بعد العام اعمل تأمل مع نفسك يعني امنح وقتا لنفسك وفكّر جيدا ثم خذ مشورة من تتوسم فيه الحكمة من عائلتك ونفذ قرارك واختيارك. لكن العام الأول لا بد منه بلا شك.

وقد عقّب علي الطبيب والمدون فرزت الشياح، بتعليق كله فائدة بحيث رأيت أنه جزء مهم جداً من المشورة لذلك أنشره (بعد اذنه) هنا كتحديث مفيد:

بالنسبة للنقطة الأولى عزيزي يونس ((النقطة هي نصحي للطالب بدراسة سنة واحدة فقط في الطب))، لا أعتقد أن دراسة الطب سنة واحدة تعطيك منظورًا عن الطب أبدًا، خصوصًا في السنوات الثلاث الأولى والتي هي لا تخرج عن منحى العلوم الطبيعية، كعلم الخلية والأنسج والبيولوجيا، الطب هو العمل في المشفى وليس الدراسة، الدراسة هي الطريق الذي يؤهلك لتكون طبيبًا لا أكثر.
لم أجد في سوريا، أو حسب علمي على الأقل، ما يسمى بالتدريب قبل الجامعي، هنا في ألمانيا يمكن للطالب أن يدخل تدريبًا في المشفى مع الممرضين، وخلال هذا التدريب يُسمح له أيضًا بمرافقة الأطباء خلال عملهم ليعرف ما هي المهنة، كيف يكون الضغط النفسي على الطبيب فيها، كيف يتصرف.
على سبيل المثال، هناك طالب ألماني قرر دراسة الطب هذه السنة، لذلك يتدرب في قسم العصبية لدينا في المشفى، وحاليًا خلال وجودي في الإسعاف طلب مني أن أعلمه عند قدوم الحالات المهمة، ومنذ ذلك الوقت يواظب يوميًا على الحضور لقسم الإسعاف لمشاهدة حالات السكتات الدماغية واستخدام الأدوية الوعائية لحل الجلطات المسببة لها، كما يقوم -بعد اسئئذان المريض- بفحص المريض أمامي، كي اعلمه الأعراض والعلامات السريرية على أرض الواقع لا في الكتب. أتمنى فعلًا لو فعلت كما فعل قبل دخولي الطب!

انتهى تعليق فرزت الشياح، طبيب ومدون سوري. مدير تحرير منصة مرصد المستقبل.

نُشِرت في مقالاتي, يومياتي, احبابي | الوسوم: , , , | 9 تعليقات

المرأة ظلّ الصمت (ماجد مقبل)

تنويه: هذه القراءة الأدبية حول المقطع الشعريّ لا تعبر إلا عن فهمي وتذوقي للمقطع، ولا تعكس حقيقة ما يقصده الشاعر، كما قلنا من قبل في القراءات الأخرى، الشعرُ يغتني بالتأويلات، والشعر حالةُ احتفاء بالمتناقض في أقصى صوره.

بادئ ذي بدء، لدي تجربة لا بأس بها في قراءة شعر الشاعر والروائي ماجد مقبل، لذلك نحن هنا لن نحاول “شرح” الشعر أو “تفسيره” بل فقط نكشفُ عنه، أعطيكم لمحة عما أشعر به وأحسه عندما أقرأ مقاطع شعرية من إبداعه.

عندما تضطدم عيناي بكلمة “الظل” فإنه يثير الكثير من الخواطر فيّ، خاصة وإن علمنا أن الظل أو الجزء المعتم من الكون، نال حقه أخيرا فأصبح مثلا العلماء يفكرون فيه وهل هو أسرع من الضوء أم لا. الظل هو الوجه الآخر للضوء والنور، بالتالي هو كيان (نخاله) سلبيا لكنه ليس كذلك هو مكوّن اساسي لوجود النور ككل لانه لو كانت الدنيا كلها نور لم يكن لمفهوم النور ولا الظل أي معنى.

إن القراءات الشعرية خاصة في عصرنا الصعب هذا أصبحت ترتبط بما (اكلته) من وجبات سابقة، يعني الآن لدينا لفظة الظل، وماذا تقول في عقلي؟ إنها تذكرني بما كنت أقرأه في QUORA عن نظرية المؤامرة وأن ناسا لم تنزل على القمر. لماذا؟ من بين الحجج التي يسردها النافون للحدث: الظلال. إنها ليست طبيعية وتكشف كل شيء.

لسنا هنا بصدد مناقشتهم في الموضوع طبعاً، إنما الفكرة في الظلال وأثرها وتداعيتها في ذهني عندما اقرأ مقطعا شعريا كهذا. أما الصمت (الذي ظهر بشكل ممتاز جدا في فلم QUITE PLACE) فقد تكلمنا عنه بصفته عنصراً أساسيا من عناصر السكينة والاطمئنان.

فيم اذن يشترك الظل مع المرأة، نجدد القول هنا أنه لا يمكنك محاكمة الشعر منطقيا وعباراته ليست “قضايا” يجب محاكمتها بمجهر المنطق، لو كان المنطق له مختبر ومجاهر فلا شك أن الشعراء هم أولئك الكارهين للآلات (مثلما حدث في الثورة الصناعية في المملكة المتحدة) الذي سيأتون بهرواتهم بعد ان وضعوا الزهور والكمنجات لفترة ليحرقوا ويهدموا مختبرات المنطق والتحليل ويحيلوها إلى هباء منثور تذروه الرياح.. حتى ان الشمس لما تسطع على ذلك المبنى المتداعي للمنطق لن تجد شيئا تعكس ظله.

إذاً ما الذي أقوم به هنا وآمل ان يستمر؟ إنه محاولة التذوق وبسط هذه المحاولة في ثوب نثري ليس إلا

لنعد إلى سؤالنا ما الذي يشترك فيه الظل والمرأة في عصرنا هنا حتى نصل إلى فاتحة المقطع “المرآة ظل الصمت”؟

إن الرابط هنا هو القمر في نظري، لا يمكن تخيل مشهد لتأمل القمر وفي ذات الوقت يكون تخيلك في عقلك في محيط به ضجيج. إن مشهد تأمل القمر يقتضي بالضرورة الشعرية والوجدانية وجود سكينة وصمت ثم حالة تفكير في امرأة ما. بعيدة ربما وتشتاق لها. ولا يوجد ثمة عزاء إلا قراءة مقاطع شعر تحسّ فيها بروح الشاعر أو الكون تربت عليك.

إن عصرنا الآن الذي فكر بالضوء وسرعته طويلاً نكص على عقبيه وبدأ يفكر بالظل والظلال و”المادة المظلمة” أو السوداء، وبعد أن استعبد المرأة كثيرا عاد -وإن على استحياء- إلى تكريمها وتبجيلها كما هو المفترض أن يفعل من زمن طويل، وزمننا الذي اثقلنا بالتلوث الضوئي والصوتي كثيرا و”ارفع صوتك عاليا” و’اطلب حقك بالعويل والصراخ” عاد واعطى للصمت قيمته التي يجب ان تكون له.

إذن فاتحة “المرآة ظل الصمت” هي شعارُ الفترة الذي يجمع القيم الثلاثة التي نحتاجها بشدة. نحتاجها بشدة إلى درجة اننا نحتاج ظلا ظليلا وصمتاً كي نقرأ مقطعا شعريا جميلا كهذا ونستوعبه بكل هدوء. بل نتذوقه ونرتشفه كقهوة شعرية لذيذة تأتي لنا بها “المرأة” التي نحب والتي ستظهر لاحقا في هذا المقطع الشعري.

المرأة ظلّ الصمت ؛
وإلهاتٍ تقذفُ الماء ولا تطير ..
تضعُ قهوتكَ الحالمة أمامكَ بيدين من حرير
وأنتَ تُصغي لما أخفاهُ الكلام ؛
حلوةً كخريفٍ يفضّ نزاعاً ساخراً بين صيفٍ وشتاء
وهادئةً كاللحنِ المكتوب على دفتر بيانو
تتهجؤها كالدرس الأول في الموسيقى

ماجد مقبل.

نُشِرت في مراجعات الكتب, يونس بن عمارة, اقتباسات | الوسوم: , , , , | أضف تعليق

جلستُ في الشمس (مقطع شعري مترجم)

قطعة شعر ترجمتها من النشرة البريدية التي يعدها ماثيو أوغل بعنوان Pome ويرسل فيها للمشتركين مقاطع مختارة من الشعر الحديث باللغة الإنجليزية.

رابط النشرة البريدية: هنا

الترجمة للعربية من إنجازي:

جلستُ في الشمس

نقلتُ كرسييَّ إلى حيثُ الشمس
وجلست هناك في الشمس
بالطريقة التي يذهب بها “الجوع” عندما نسميه “صياماً”.

النص الأصلي:

 

تعليقي:

لا أدري هل الشاعرة جَين هيرشفيلد على إطلاع جيد بالأدبيات الإسلامية (بمعناها الأوسع والتي تضم حتى البهائية مثلا) أم لا، لكن لما ندرك أنها شاعرة وكاتبة مقالات ونجد كلمة “مترجمة” في سيرتها قد نتصور ذلك، بالنظر إلى البيئة العابرات للثقافات واللغات التي يعيش فيها المترجمون عادة.

إن الشعر الحداثي في وقتنا أصبح يحفز القراءات المختلفة لذلك تعليقي هنا وربطه بالأدبيات الإسلامية كموروث مبرر حداثياً ومبرر ما بعد حداثياً، هذا إن سلمنا أن للشعر معنى محدد، لكن الشعر يسمح بالقراءات المختلفة والتأويلات وما تعليقاتي هنا بعد كل مقطع إلا تأويلات وليست “تحكمات” تقيد النص. إنها مساهمة (وأدعو الاخرين للمساهمة) إنها ندفة ثلج ضمن كرة التأويلات التي تتشكل حول نواة قصيدة ما كل مرة تمضي فيها الكرة الشعرية قدما.

بالتالي ما خطر لي عندما قرأت هذا المقطع ثلاثة أمور: الاحاديث الموضوعة، والحلاج، والبهائية.

مثال الاحاديث حول الصبر على الشمس، “مَن صبرَ علَى حرِّ مكَّةَ ساعةً مِن نهارٍ تباعدَتْ منهُ جهنمُ مسيرةَ مائتَي عامٍ” (مختصر المقاصد وقال باطل لا أصل له)،

وقد قرأت ان الحلاج كان يفعلها في مكة أيضا لا أدري عملا بالحديث أم بشكل رياضة صوفية من عنده، من جانب آخر قيل أن مؤسس البهائية كان يقف في الشمس

ما الذي يجمع بين هذه العناصر الثلاثة؟ الجواب هو التصوف. من المعروف أن كتب التصوف لا تلتفت لصحة الاحاديث كثيرا -ولها أسبابها- ولدينا شخصيتان اشكاليتان في العالم وهما الحلاج ومؤسس البهاية الاول قتل شهيدا والثاني أسس ديانة جديدة تماماً.

إذن مفهوم ان تكون انسانا عاقلا وتنقل كرسيك من الظل الى الشمس لا يعني انتقالك من ‘الحزن= الظل’ إلى ‘الشمس= الفرح” او من الجهل للعلم او من الظلام للنور. بل يعني “حركة تصوفية” يمكن اضافة صفتين لهذه الحركة الصوفية وهما “حركة صوفية شعرية حداثية”. وهذا بنظري ما يبرز جمالية الشعر.

ما يؤكد ذلك هو الجملة الاخيرة من المقطع “بالطريقة التي يذهب بها “الجوع” عندما نسميه “صياماً”” وضعت كلمة الجوع والصيام بين علامتي تنصيص مع أنهما في الاصل لا يوجدان بذلك الشكل للتنويه بهذا.

الجملة تقول “قد يكون هناك ماهية أو مفهوم أو شيء له طبيعة واحدة مثلا الشعور بالجوع، لكن هذا الشيء يتحول وفق ما تنظر إليه، وكي ترى الشيء بشكل مختلف لا بد عليك من نقل كرسيك(جسدك) نحو اتجاه اخر وتنظر الى ذلك الشيء ليتحول بين ناظريك إلى شيء آخر مع أنه هو ذاته ذاته، بهذه الطريقة يتحول ألم الجوع إلى لذة الصيام”.

بذكر الكرسي والجسد من المهم هنا أن نشير من بعيد الى قصة سيدنا سليمان “وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا” إن الكرسي في المقطع اعلاه يشير إلى الجسد بنظري.

 

نُشِرت في يومياتي, يونس بن عمارة, ترجماتي | الوسوم: , , , , , , | أضف تعليق