عن نجيب محفوظ .

في المدة الماضية ركزت قليلا على القراءات النقدية ، بغرض أن اوسع معارفي في هذا الموضوع ووجدتُ عدة مصادر مهمة في الأمر . اولها الأرشيف الرقمي الذي ابدعت في برمجته شركة صخر .

و المصدر الثاني هو الاعداد الكاملة لمجلة فصول النقدية .. قرأت حتى الان للعدد العاشر . وفي بعض الاعداد التي فيه هناك مقالات عديدة عن الرواية وما اثارته من لغط .

أخبرتُ أصدقائي أن هذه الرواية كانت من اوائل قراءاتي لم اكن اعرف من هو نجيب محفوظ كان الكتاب ورقيا ضخما أكبر من اي رواية قرائتها في الحجم  من قبل في  ذلك السن . في سن العاشرة صدقت فعلا الراوي كنت احسب انها رواية حقيقية  كنت بمعنى آخر أصدق كل ما في الكتب بشكل ما حتى لو كنت اعي انها قصة خيالية .. لم يتطرق الى فكري في تلك السن ان الجبلاوي قد يكون رمزا عن الله او الشخصيات انها تمثل اصحاب الديانات الرسمية الخ .. لم اكن افكر في ذلك مطلقا لكن ذلك لا يعني انني صحيح .. اضف الى انه لم تتغلغل في نفسي اية افكار منافية للدين بعد قرائتها لئلا يقول البعض انها تسري في العروق لتنبت مرة اخرى في شكل افعال وتصرفات تنفي الاخلاق والدين .. كنت صغيرا وكنت احب الحكايات وكانت حكاية جميلة جدا .. اللغة آسرة .. العجائبية قوية فيها ..كنت اعتقد ان الجبلاوي انسان طويل العمر لانه خارق بشكل ما لكن بلا اية الوهية .. كنت اتضامن مع الشخصيات احزن وافرح والاهم اني استمتعت جدا بالتشويق القصصي المذهل الذي في الرواية .

نحن لا نعرف الروايات ولا الكتب الا في الاطار الزمني والنفسي والاجتماعي الذي تحتويه .. لا يوجد قراءة نقدية موضوعية وهذا المقال ليس نقديا بالأصل .. قُدّمت لي تلك الرواية الكبيرة الضخمة كاستعارة اولا وقدمت لي على اساس  اني اقرا كثيرا وفاشل دراسيا بينما قيل لي وهم يسلمونني رواية بتلك الحجم  ( ان نجيب محفوظ طبيب و مجتهد اكمل دراسته وكتب مثل هذه الصفحات و اتى بنوبل ) يعني من الآخر ليس فاشلا مثلك و يمكن ان تتخذه قدوة – وانا كنت اسمع كلمة فاشل من سن صغير كهذه فعلا – اذن فالرواية قدمت لي على انها نموذج لاديب لم يبعده ادبه على ان يكون طبيبا كانت العائلة كلها تقول بمعنى ما يمكن انك تكتب او تحب القراءة جدا يمكنك ذلك نحن نشجعك لكن ائتي بالشهادة اولا انهي دراستك اولا .. حتى تلك السن كنت اعتقد ان هذا صحيح تماما انه يمكن للكتّاب ان يكونوا بشكل ما مثل نجيب محفوظ يكتبون ويكونون اطباء رائعين ويحوزون على نوبل في نهاية الأمر  . لكني كنت مخطئاً.

لنعد الآن الى مجلة فصول .. رأيت في الاعداد الاولى انه من مجلسهاالاستشاري كان نجيب محفوظ وصدر العدد الاول الذي كان ملغما بمصطلحات نقدية توجع الدماغ .. ثم صدر العدد الثاني والثالث وفي العدد الثاني على ما اعتقد كان نجيب محفوظ قد قال كلمته المشهورة في المجلة وهي ( انه لم يفهم حرفا مما قيل فيها ) وتعجب من ان النقد اصبح بهذا التعقيد … توالت المقالات التي تشرح وتفسر للاديب الكبير دون فائدة لانها كانت تتكلم بمصطلحات اعقد … ثم بدات نبرة التعقيد تخف فوُجدت ونُشرت بعض المقالات الاخف والمفهومة فعلا رغم ان جابر عصفور ترجم مقالا غير مفهوم البتة لمجنون لساني اسمه دريدا في مؤتمر ما …في ذلك المؤتمر ترجمت المناقشات و بعد خطاب دريدا عن التفكيكية المزعومة سأله بعض الحضور الفرنسيين ممن هم اساطين النقد اسئلة لم يعرف لها جوابا .. اعتقد انهم ماتوا بعد زمن قصير بسبب عمرهم .. وخلا الجو لدريدا فنشر -دون اية دلائل منطقية – التفكيكية وانتشرت عالميا معروف انها في فرنسا المدة الاولى لم تكن بهذه الشهرة ، الشهرة اتت بعد ان تبنتها المدرسة النقدية الامريكية بالتحديد ثم أُمركت وارسلت مجددا لاوروبا رآها دريدا حك رأسه وقال انه لا يفهم التفكيكية التي عنها يتحدثون ! من تلك المقالة وحسب فهمت ان جاك دريدا مثله مثل العديد من النقاد الذين يضعون مصطلحات مخيفة لا لشيء الا لانهم لا يفهمون العالم من حولهم .. وسقط دريدا كاناء خزفي من عيني تكسر لالفظ شظبة  ذهب هباءً منثورا كتب كتبا سيئة جدا مهما كانت ترجمتها دقيقة ، سقط دريدا وذهب الى اللاشيء …المهم لا علينا .. مربط الفرس في الموضوع هو اني اتيت الى عدد كان قد خصص مقالات كثيرة لاولاد حارتنا ومن باب النوستالجيا لطفولتي قرات تلك القراءات .. لم اوافق على الكثير من رؤاها كانت هناك مقالة نقدية معتدلة حاولت ان تعذر الكاتب والنقاد وتجد حلا وسطا ..لكن ما لاحظته هو ان كل القراءات النقدية تكلمت على ان نجيب محفوظ تعمد فعلا ان يتناص نصه مع الديانات وشخصياتها… في نفسي لم اكن اريد لهذا ان يحدث كي ل تفسد الصورة المشرقة للرواية في ذهني لكن بالادلة النقدية سلمت فعلا .. نجيب كما هو معروف دقيق ومعماري فني لا يفعل هكذا الامور ولا يكتب بالصدفة .. بالتالي هو فعلا يتناص مع الاديان فما الذي علينا فعله الآن :

  1. عليك ان تقرأ هذه الرواية في اقرب وقت ممكن . سفر متوسط المدى يمكن ان تنهيها فيه .
  2. من فضلك لا تقرأ مقالات او كتب نقدية عنها ولا حتى مجلة فصول قبل ان تقراها بنفسك
  3. حاول ان تقرأها كطفل فقوة كتب وروايات محفوظ في هذه النقطة . بالاخص مثلا روايته رحلة بن فطومة . ونحن نقول كطفل لا يعني انك مغيب الوعي او لا تفهم .. ان كنت تشك في هذا اقرأ اخر الدراسات النفسية المهمة عن وعي الاطفال قبل البلوغ .
  4. لا تهتم لأي راي نقدي قال عنه كاتب كبير كنجيب محفوظ ( لم افهم منه حرفا ) فالابداع منفصل عن النقد وليس ضروريا له . انه ضروري لنيل دكتوراه لكنه ليس ضروريا لاستمتاعك برواية أو قصة . ( نستثني هنا النقد الادبي الجاد مثل نقد رضوى عاشور و ع الفتاح كيليطو وغيرهما  من الكتاب والنقاد الذي يضيفون لاستمتاعك آفاقا أخرى )

تدوينة نشرت في اطار يوم للتدوين الحُر عن أديب نوبل الكبير “نجيب محفوظ” برعاية جريدة القاهرة

شكر خاص للصديق محمود حسني .

Advertisements

About يونس بن عمارة

يونس بن عمارة ، كاتب ومدون ، مهتم بالكثير من الاشياء : السياسة ليست من بينها :)
هذا المنشور نشر في مقالاتي, الكشكول وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to عن نجيب محفوظ .

  1. Lamis كتب:

    (أولاد حارتنا) من الروايات القليلة التي عندما أقرأ آراء النقاد أو القراء حولها أجد نفسي متفقة مع كلا الطرفين،المدافع عن الرواية والمعارض لها.. كل طرف يفسر هدف نجيب محفوظ من هذه الرواية كما يريد، وكل طرف لديه ما يؤكد كلامه من خلال اسقاطات الرواية والتي اتفق الطرفين عليها

    • youneskkc كتب:

      أتفق معك، على أية حال يجب أن نعي أننا أمام منجز حضاري عربي عالمي. أي الرواية بالتالي يجب ان تقرأ بذلك المنظور قد نختلف حولها حول ما تريد قوله او لا ما تريده لكن عن نفسي كانت قرائتها قدرا شيئا غير مقرر بالنسبة لي لم اتعمده ..من قدم لي الرواية وكل العائلة والمكان التي اتت منه لم يقراوا اصلا الرواية لم يسمعوا باللغط الذي اثير حولها لم يعرفوا حتى لماذا حاولوا اغتيال نجيب محفوظ! لكن على اية حال فقد قدموا لي رواية جميلة وتستحق القراءة مهما كانت معانيها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s