كذبة

«كذبة»

قصة قصيرة – يونس بن عمارة

وضعت الشُال على السّرير، نزعت معطفها… والتفتت بنظرة فاتنة إلى زوجها الذي راقبها بذُهول…
– جون… أُريد أن أطلب منك شيئا…
قال بهُدوء وهو يُرتّب أغراضه المُتناثرة في الحقيبة:
– على الرّحب والسّعة ! ماذا هُناك؟ قالت مُقطّبة حاجبيها:
– جون، أنت لا تقول ذلك بطيبة قلب… أنت غاضب منّي.
– ولكن لم أُصرّح بشيء، لقد عرضت عليكِ يا سيّدتي المُحترمة خدماتي وحسب !…
قالت وقد انفرجت أساريرها:
– حسنا إذن ! جون ادفع فاتورة صالون الحلاقة… أنت تعرف السيّدة مارتيمري…
– حسنا… أنا أعرف فواتير السيّدة مارتيمري… ثُمّ بتأفّف:
– ما أبغض تلك العبارة التي تقول “نرجو من حضراتكُم…” أضافت:
– و… !
– وماذا؟
– جون… فاتورة بار وُوْرالين ! الشّمبانيا للأصدقاء… وحفلات…
– حسنا… الشّمبانيا للأصدقاء والفاتورة على جون… لا بأس.
– و… !
هُنا توقّف عن لمّ حزم الأوراق ووضعها في الحقيبة ونظر إليها بغيظ… نظرت إليه بودّ مُبتسمة.
– ماذا؟
– حسابي البنكي، سانت جون ! لقد نفذ… أرجوك ! لا يليق أن يقُولوا زوجة جون تاولينغ مُفلسة…
أكمل جون لمّ الأوراق ووضعها في الحقيبة وقال لها بمرح ممزوج بغيظ:
– ولكن يا عزيزة… ألا ترين أنّك أكثرت…
– ولكنني لم أتمم بعد…
– آ؟ ! وماذا هُناك أيضا؟
– سيّارتُنا، سانت جون… صاح جون فيها زاعقا:
– اسمعي… لا تُسمّيني سانت جون ! أنا العبد الذّليل لك… جون الأحمق.
– ولكن أنت سانت حقّا… ماذا نقول لبابا نويل… أليس قدّيسا؟ حسنا يا حبيبي…
أنت أفضل من بابا نويل… على الأقلّ… بابا نويل مُسنّ !!
– وماذا بعد هذا المقال؟
– العرض يا عزيزي… لقد قُلت سيّارتُنا القديمة المُتهرّئة التي لا تصلح لآل تاولينغ…
– ما بها؟
– أعطها لابن أُختي بيتي… واشتر أخرى جديدة…
– يا سلام… هذا ما تُفكّرني به… أختك وابنها ! ها؟
– ولكن سانت جون… أنت تعرف…
– أنا أعرف شيئا واحدا… أوّلا، أنّني أحمق ثانيا… متى أعطتنا أُختك الشّحيحة شيئا حتّى نُهدي لها سيّارة بأكملها ! ولمن؟ لابن أُختك الرّائع اللطيف المُهذّب !!
– سانت جون… إنّ بيتي حقّا لطيف… لكنّه… لكنّه مُتهوّر نوعا ما.
– اسمعي يا ماري ! لم أعد أحتمل… السّيارة لك إن شئتِ… أمّا ابن أُختك فلن ينال منّي إلّا لكمة على فمه المُعوّج !
– ألا تخاف أن أُعطيها لهُ؟… خُفية رُبّما؟
– لا تفعلي ماري ! لا تُثيري غضبي…
– آ… لا علينا سننتقل إلى موضوع آخر…
جلست على السّرير وتمدّدت وقالت بهُدوء بالغ:
– بقي شيء واحد… الخاتمة عزيزي جون… ابنُنا نيكولاس… ادفع فاتورة تعليمه الدّاخلي… و…
– وماذا؟
– عيد ميلاده… هديّة جميلة تكون ثمينة…
– وماذا؟
– ألم تتذكُرهن؟
خفضت ماري من صوتها ونهضت…
– ما الذي سأتذكّره؟
– اليوم؟
تناولت حقيبتها وأخرجت عُلبة صغيرة حمراء… وفتحتها… ساعة جيب ذهبيّة كبيرة ومُستديرة…
– جون ! لقد كُنت أكذب عليك… لا توجد أيّ فواتير… أمّا السيّارة ! فلن أعطيها إلّا لابننا أو… مقلب القُمامة خير من دار مارغاريت…
ابتسم جون وقال: كم… كم أنت ماكرة… يا لكيدك !…
– تفضّل هذه… وتذكّر أنّ اليوم هو عيد ميلادك… الأوّل من أفريل…
– لقد تذكّرته للتّو…
نظر إلى السّاعة بين يديه بانبهار وإعجاب…
– اتبعني للمطبخ… الكعكة جاهزة.

بعد النّفخ على الشّموع الأربعين… أُشعل الضّوء…
تردّدت ماري قبل أن تقول بابتسامة وخدّاها مُتورّدان… ترنو إليه بفيض من المودّة…
– سانت جون !
قال جون وهُو يلتهم نصيبا من الكعكة:
– ماذا؟!!

Advertisements
نُشِرت في قصص قصيرة, يونس بن عمارة | الوسوم: , , | أضف تعليق

محمد ديوب ولبلب وقصة أخرى

حياكم الله.

مقطع مفيد من حواري مع محمد ديوب على تقنية 24:

عندما أدرب شخص جديد أخبره منذ اليوم الأول أنه سيفشل وسيواجه الكثير من المشاكل، وهذا أمر طبيعي لأن الفشل مفتاح النجاح، لكن الأمر المهم أن يكون النجاح هدف لا تراجع عنه حتى لو فشلت ألف مرة قبل بلوغه، فعندما تضع النجاح نصب عينيك ستصل وستحصل على عميلك الأول وستحل المشاكل التي تواجهك واحدة تلو الأخرى، ويمكن القول باختصار أن النجاح هو أن تحل عدد كافٍ من المشاكل.

اقرأي للاستزادة تدوينتي عن المدرب المفيد والمدرب الاستنساخي.

كتبت مقالا تحليلا عن محرك البحث العربي لبلب

وقصة رومانسية قصيرة خيالية بعنوان حب على النمط التقليدي.

نُشِرت في يومياتي, يونس بن عمارة, الكشكول | الوسوم: , , | أضف تعليق

حبّ على النّمط التّقليديّ

حبّ على النّمط التّقليديّ

قصة رومانسية قصيرة

يونس بن عمارة

 

وضعت للتوّ قصّة (بول وفرجيني) ودمعتان حارّتان على خدّيها، إنّ هذه القصّة مُؤثّرة فعلا.

وصلت الخادمة إلى الشّرفة، وما إن رأت الغلاف الأحمر للرّواية إلّا وقد عرفت أنّ سيّدتها الآنسة راديفسون تبكي، لقد قرأتها حتّى الآن عشر مرّات، لطالما عاودنا قراءة الرّوايات التي تُعجبنا.

كانت الصّفحة الأولى من هذه الرّواية تحوي بخطّها: “عندما أهداني هنري هذه الرّواية… أهداني كنزا من المشاعر”.

أبوها… السيّد دافيد ويليام راديفسون لم يشأ أن يمنعها من قراءتها… غير أنّه يخاف عليها من هذه الرّوايات. والتي يدعوها بالرّوايات المُبتذلة، إذ يُحبّ روايات والتر سكوت.

والسيّد دافيد ويليام شيخ وقور، من الجيل القديم المُحافظ جدّا. وقد منع عنها الدّراسة حين كبُرت قليلا ليأتي لها بالمُدرّسين في بيتها وهُو كريم وجواد، أقلّ ما يُقال عنه أنّه رجل نبيل حقّا. دخلت الخادمة إلى الغُرفة ومن ثمّ إلى الشّرفة لتقول: السيّد مارك دونالد في قاعة الدّرس إنّه يقول كعادته إن كان بك توعّك أو ما شابه فلا داعي للدّراسة الآن. يُمكنك الدّراسة فقط حين تشعرين أنّ ذلك مُناسب…

مسحت جنيفر دُموعها، أو بالأحرى دمعتيها… وقالت بصوت هادئ: لا أظنّ أنّني سأتغيّبُ الآن… قولي لهُ أنّي آتية…

السيّد رافاييل ماك دونالد… أستاذ العلوم الطّبيعيّة وهاوي مستحاثات كبير… الأشهر على مُستوى إنجلترا كلّها.

كانت غُرفة الدّرس غرفة بسيطة ذات سبّورة سوداء وأثاث عاديّ، بها كُوّة لدخول أشعّة الشّمس ونافذة عريضة مُغلقة دائما، كان هنري دوما يخبّئ بينها وبين شبّاك النّافذة دُمية جنيفر… لقد كانت تدعوها “صديقتي إيما” لقد كانت جنيفر في طُفولتها تجتنب أن تفعل كالبنات الأخريات اللائي يعتقدن أنّ دُمياتهنّ هُنّ بناتهنّ، لقد كانت جينيفر تعتقد أن دميتها هي صديقتها أو بأسلوب آخر: أختها.

أما هنري فهو قريب بعيد لجنيفر راديفسون، وهو ابن السيّدة هيلاري لوبيز ابنة خالة السيّد دافيد ويليام راديفسون.

دخلت جنيفر وجلست شاردة الذّهن… بدأ السيّد ماك دونالد بالثّرثرة العلميّة حين سألته:

– سيّدي، هل تظنّ حقّا أنّه من العدل أن يتعذّب عاشقان؟

– نحن الآن في حصّة علوم آنستي…

– ولكن يا سيّدي أتُحبّ المستحاثات؟

– أجل.

– إذن لهذا السّبب تتكلّم عنها كثيرا… فلي الحقّ إذن أن أتكلّم عمّا أُحبّ.

– أنت مُخطئة وللأسف يا بُنيّتي… أبوك، أتى بي إلى هُنا لكي تستفيدي من ثرثرتي فيما أُحبّ… أمّا ما تُحبّين فعلاوة على أنّ الأستاذة أرنستين تُحبّك وتُدرّسك الحياة أكثر من العلم، فلديك معها مُتُسع من الوقت لكي تتكلّمي كما تشائين وكما تُحبّين.

– أنت مُحقّ… أنا آسفة. واصل من فضلك!

كان السّيد ماك دونالد يمتلك لهجة مُقنعة، ولكنّ الذي لا يعرفه، عرفته الأستاذة أرنستين دي فاليروان، أستاذة اللغة. فقد قالت لما حدثتها جينفير كما فعلت مع أستاذ الآثار:

– وبسؤالك هذا تُقرّين أنّك عاشقة؟…

– أنت تعرفين أنّني أُحبّ هنري.

– وأنّت تعلمين أنّ أباك مُتخاصم مع أمّي.

– ولكن لماذا نكون نحن الضّحيّة. لا دخل لنا فيهم… فليتركونا نعيش حياتنا.

– ما زلت صغيرة يا بُنيّتي، الشّخص عندما يُحبّ ينسى كُلّ شيء، وعندما يكره يكرهُ كُلّ شيء، ألا تدرين أنّك إذا كرهت شخصا تكرهين نسلهُ أيضا… تخيّلي فقط أنّ أحدا أتى لأبيك قبل أن تولدي وقال لهُ: إذا أنجبت لورا فتاة “هل ستُزوّجها لابن السيّدة لوبيز… وأنت تعرفين الإجابة…”

– حتى ولو كان…العيب في أمه، هنري لا بأس به.

– سيكون للدّماء نصيب من الحديث عند أبيك، سيقول أنّ دماء اللؤماء لا تختلط إلّا بدماء اللؤماء…

وتذكّرت جنيفر المُحاضرات الكثيرة التي ألقاها عليها أبوها حين علم بحُبّها لهنري… وقال أنّ دمّ لوبيز الفاسد يجري في عروقه، أمّا آل راديفسون الذين ينحدرون من آل ستيوارت أنفسهم فهم من دماء ملكيّة ويجب أن يبقى نقيّا ثُمّ ضرب أمثلة عديدة عن عائلات شريفة وفاسدة وماذا جرى لهما بما يُؤيّد نظريّته.

– هنري شابّ صالح وأنت تعرفُه يا أبي… الدم ليس مُشكلة، وإذا كانت التّربة صالحة البذور ستنشأ بصورة طبيعيّة.

قال دافيد وكأنّه يُعلن هزيمة ابنته:

– المُشكل في البذور يا بُنيّتي، أنت هي التّربة، سيقول لك ماك دونالد أنّه إذا كانت البذور سيّئة… لن تنفع التّربة والماء أصلا…

كانت حياة جنيفر راديفسون، واضحة المعالم جدّا… فالمدرسة والكُليّة لا تُمثّلان لها شيئا في حياتها وما إن يتقدّم شريف من النّبلاء حتّى يُزوّجها به أبوها… وحينها… وبعد وفاته… سيرثان ثروته العظيمة.

أمّا حياة هنري لوبيز فمُختلفة تماما، بعد إنهائه كُليّة الصّيدلة سيبحثُ عن عمل في معمل دواء… وحينها سيلتفت إلى الحياة الزّوجيّة ويتزوّج بجنيفر، هُو الآن في العام الثّالث… ومازال عامين… عامين فقط… لقد رفضه أبوها حين أتى ليخطبها منه وقال:

– أعلم يا بُنيّ كم تُحبّها… لكنّها لا تصلح لك… الله لم يكتبها لك.

***

شهادة السيّد رافاييل ماك دونالد

يجبُ عليّ أن أقول الحقّ… لقد كان السيّد ويليام دافيد ظالما، ولو كان هُناك سلّم للظّلم لتربّع السيّد ويليام على عرشه.

أنا لا أُريد أن أستطرد في سلّم ريختر (والسيّد ماك دونالد يحبّ الاستطرادات كثيرا) وضرورة وضع سلّم مُوحّد، كذلك وضع سلّم حراري مُوحّد بين المئوي والفهرنهايت ونُشير في هذا المقام إلى مُحاولات عديدة أهمّها مُحاولة ديمريتش والتي أنتقدُها في نُقطتين… (كانت الآنسة ارنسين دي فاليروان تقول: كلّما يجدُ السيّد ماك دونالد ورقة وقلما يكتب مقالة عن العلوم الطّبيعيّة!).

أنا أعتقد أنّ السيّد ويليام، وإن كان ذا حكمة وعقل راجحين إلّا أنّه أخطأ في حقّ ابنته، لا أُريد أن أروي أشياء خصوصيّة عن آل راديفسون، فالقضاء الانجليزيّ متعفّن النّواحي في باب القذف والشّتم العلني (يحرص البروفيسور على استعمال لفطة التّعفّن كمُصطلح علميّ وظاهرة طبيعيّة) وما هذا إلّا أنّي سأنشر ما أكتبه الآن في مُذكّراتي، ولذا فإنّ للخصوصيّة – حتّى دون علّة القضاء فالأخلاق والدّين عاملان مُهمّان – حُرمة معلومة.

سأمتنع (تقول الآنسة ارنستين أنّ ماك دونالد مُؤلّف غزير التأليف) عن ذكر هذا حتّى ولو وجهتها في رسالة شخصيّة، فنظام البريد المُتبّع، جدّ قاصر عن مهامّه وأنا أقترح بدل البرقيّات… (استطراد محذوف).

حاشية رقم واحد: إنّ الآنسة جنيفر جميلة جدّا، جميلة جمالا أكثر من زهرة اللوتس البديعة.

شهادة الدّكتور جينير غايفرون

أنا أعرف آل راديفسون جيّدا، بصفتي طبيبا عاديّا وطبيبا نفسيّا، أنا أعرف في قرارة نفسي أنّ ويليام أو دافيد كما يحلو له أن يُدعى لم يكن مُحقّا البتّة.

لقد جرّ رفضه لابن ابنة خالته السيّد لوبيز إلى التّعارض مع رغبة ابنته الحنونة الرّقيقة جنيفر، ولمّا قابل رغبتها بالرّفض قالت له جنيفر بعصبيّة يومها وهي تبكي: إذن لن أتزوّج يا أبي… هنري أو لا أحد…

– يا بُنيّتي… الزّواج أساس الحياة… هنري ليس من عائلتنا… هنري ابن الحقيرة…

– مالي ولابنة خالتك! أنا أُحبّ هنري لا أمّه…

وسوف تحكُمون بأنفسكم، سادتي بعد هذا على أيّهما المُحقّ.

شهادة السيّد دافيد ويليام راديفسون.

لم تكُن هذه أخلاق ابنتي، ولا أخلاق زوجتي، رحمها الله رحمة أبديّة –لورا- أبدا غير أنّ الحبّ أعمى، لقد صدق أولئك الشّعراء الغاوون، إنّ الحبّ أعمى، إنّ الحبّ الجامح الذي يأتي فجأة يستغرق سنوات عديدة. لقد علّمتني الحياة ألّا أستسلم، أقسمتُ ألّا تتزوّج هنري وأقسمت هي ألّا تتزوّج إلّا هنري.

أنا أتذكّر أيّام حُبّي لأُمّها لورا… كانت الأميرة الجميلة الحسناء… غير أنّها لم تكن ابنة حقير أو حقيرة… كانت شريفة دمّا ولحما وروحا.

شهادة الأستاذة الآنسة ارنستين فاليروان

دافيد ويليام هو المُخطئ… كيف يُفرّق بين عاشقين… يا لجمال هذين الزّوجين. أنا أتذكّر الآن لوحة الرّسام… آه… لقد نسيت غضبي… طبعا… أجل… كيف يُفرّق بين عاشقين طلبا الزّواج الشّرعي في الكنيسة المُقدّسة… أُفّ لهؤلاء الرّجال المُتحجّرة قلوبهم… كأنّهم مومياوات إنجليزيّة عتيقة ملفولة بألف لفّة من قماش العادات والأصول والتّقاليد… وآه وواه لو كانت أُصولا تدعو إلى خير أو تجنّب من شرّ إنّها الظلم الكاسح والجهل الجامح.

أنا أُحبّ جنيفر… دائما يكون حبّ المرأة أعنف من حبّ الرّجل، وأحبّ سعادة جنيفر، إنّ أبوها لا يريد أن تسعد ابنته البتّة، البتّة وكما يقول القسّ السّمين سبرفايلد خيرُ موعظة “… فليغفر الله لنا جميعا… فليغفر الله لنا جميعا…” إذن فليغفر الله لنا جميعا.

رسالة هنري إلى جنيفر

لا ألوم أباك أبدا. حبيبتي جنيفر (لأنّ القدر هُو الملوم الوحيد)، لم أُصبح فيلسوفا لأنّي فشلت في حبّك، وأصبحت أنسبُ كلّ شرّ للقدر، إنّ الإنسان يخدع نفسه دائما عندما يبني بُرجا كبُرج فرنسا وتسأل طفلة بريئة صغيرة خالتها الفرنسيّة الجميلة.

– خالتي من بنى هذا البُرج؟

فإنّها ستقول وهي تمضغ العلك وبنغمة ايطاليّة (لأنّها تدّعي أنّها من الريفيرا الايطاليّة) “المُهندس ايفل يا صغيرتي” وستتجنّب أن تقول “بُنيّتي” لكي تُبيّن للنّاس ولنفسها أنّها صغيرة ولم تتزوّج أو تُنجب بعد.

أنا لا أُريد أن أكون أديبا بكلامي هذا أو أُحلّل نوازع وكوامن الخير والشرّ عند النّاس أنا مُنذ أيّام أفكّر في الأسباب التي حلّت بأبيك لأن يرفضني فوجدتها سببين.

أوّلهما: إنّي ابن ميلاري لوبيز.

ثانيا: أنّي لا أصل إلى مُستوى شرف أبناء أصدقائه من الأكفاء لك في نظره.

أمّا جوابي عن السؤال الأوّل، فإنّني لن أتنازل عن اسم عائلتي (لوبيز) حتّى ولو قال أنّه سيُزوّجني بك، أنت نفسك يا حبيبتي سترفضين رجلا تخلّى عن شرفه فما أسهل أن يتخلّى عن حبيبته.

وأمّا السّؤال الثّاني فأبوك لا يعرفني إطلاقا، إنّ مستواي العلمي أعلى ودون فخر من أيّ مُستوى علمي يملكه من يظنّه أبوك المُوقّر كفؤا لك، أمّا في مجال المال والفروسيّة فأنا أقول له عبارة واحدة فقط، أنّ (عصر الفروسيّة ولّى) وإن كان يا حبيبتي جنيفر لا يفهم ذلك، فأنا حقّا أرثي له، لأنّه يعيش في عصر آخر غير عصرنا هذا.

                           المُخلص هنري لوبيز.

رسالة حنيفر إلى هنري

يجب أن لا يكون أبي عائقا أمام حُبّنا… هنري يجب ألّا يكون النّسب هو الشّيء العائق بيننا… نحن نُحبّ بعضنا ولتذهب الأنساب إلى الجحيم.

                          المخلصة جينيفر.

 

***

في هضبة مُخضرّة تتربّع عليها عدّة صخور منحوتة وبيوت مهجورة أشبه بحطام سفينة ضخمة على اليابسة، كان هناك عدّة أشخاص، بل سُيّاح يجوبون هذه الخرابة كان هُناك فوجان… المجموعة الأولى عدّة رجال يقومون بالحفريّات بقيادة شابّ أبيض البشرة قويّ البُنية طويل القامة رافعا رأسه وأنفه للسّماء أبدا…

أمّا المجموعة الثّانية فمجموعة من السّادة والسيّدات بقيادة دليل سياحي ظريف جدّا.

صافح الدّليل عالم الآثار الشّاب… وقال له: “أما زلت تبحث هُنا؟”

– أجل… وأين ستجدُ عالم آثار إن لم تجده في خرابة…

قالت سيّدة من بين السيّدات، جميلة، بيضاء وشعرها أسود فاحم وعيناها زرقاوان قالت بمرح: إنّ الشّيخ زاده كان يُمازحنا قبل قليل أنّ الخرابة يسكنها اثنان البوم وعالم الآثار!

انفلتت ضحكات من عدّة أفواه ثُمّ ابتسامة ساحرة انفرج عنها ثغرها… راقبها هنري لوبيز مذهولا بجمالها الذي لا يُقاوم… هُناك بعض النّساء يمتلكن إغراء وفتنة لا تُقاوم، أمّا هذه فلا تُقاوم نفسيّا وجسديّا، روحيّا وماديّا… لا تُقاوم على الإطلاق.

قوامها الممشوق الذي يتأوّد في لباس انجليزيّ تقليديّ خلّاب.

وبعد جولة مُمتعة مع الشّيخ زاده… رافقهم خلالها الأثريّ هنري… اتّجه الرّكب السّياحي إلى الحافلة الصّغيرة للعودة حين تخلّفت الحسناء الانجليزية قليلا… وقد سقط منها كُرّاس صغير تتخذه كأجندة… أخذها هنري من على الأرض، وقرأ عنوانها وذرف دمعتان… “جنيفر راديفسون”

كانت قد أرسلت العنان لدموعها… حين وقف هنري وقال: ثلاث سنوات حياتي…

– هنري… أنا أهيم بك…

– جنيفر… أنت هي… حبيبتي…

نُشِرت في قصص قصيرة, يونس بن عمارة | الوسوم: , , | 2 تعليقان

مغرور

مغرور 

قصة قصيرة خيالية

يونس بن عمارة

رسالة هنري:

“لقد أصبحت موهبتي العبقرية (وهذه من ألفاظ الدّاء) في الكتابة وبالا عليّ، لقد جُنّت صديقاتي بقصائدي الحلوة أمّا أصدقائي فقد فُتنوا بما كتبته “الجزء الثّاني من آلة الزّمن” تتمّة رواية هربرت جورج ويلز الرّائعة، وأعجبتهم قصص المُغامرات المُتعدّدة، لقد أصبحت الكتابة يا سيّدي غرورا، لقد ضاق بي أصدقائي ذرعا، وممّا زادني ازدهاء وغرورا مُسابقة قصّة أدبيّة أُقيمت في الكُليّة وكان من أشدّ مُنافسي باريس مارتينيزو أودلف مانتهام… وقد خسرا الاثنان معا في مُواجهتي ممّا جعلني أُرسل قصيدة نُشرت فورا في مجلّة الجامعة (هزيمة الحمقى!)”.

***
لقد أبغضه أصدقاؤه. كان سعيدًا بهذه الموهبة كثيرا، وكان الشّيطان ذكيّا… لقد ربح إبراهام في هوايته الشّطرنج وحطّم حُلم أنّا في رياضة التّنس بهزيمة نكراء وأمّا مجموعة صحافة الجامعة فقد وصفهم بجماعة الأرانب المذعورة لمّا كتب وحرّر وحده فقط ثلاث مجلّات أرقى وأحسن من مجلة الكُليّة الجامعيّة بأفكار مُذهلة عن النّشر والصّحافة، قال الحاقدون إنّه سرقها من المُتخصّصين، كتب يومها الأساتذة: نحن مُعجبون به جدّا، حتّى لو كان كذلك، لقد قام بعمل مُذهل. إنّه إنسان عملي، كتب يوما “إنّي مُرهق من شدّة المُنافسة، لقد صرتُ أسهر حتّى الواحدة ليلا” وهكذا اندفع عدّة فتيات للانتقام حين ألقوا لأُستاذ اللغة الإغريقية ملحمة باللغة الإغريقية عنوانها “موت الزّهور” في تسعين صفحة، فألّف هنري أوّلا كتابا في تصحيح أخطائهنّ وبيّن بدقّة شديدة أُصول الكلمات الإغريقية بنطق وكتابة صحيحين.
بل حتى أنه ابتكر طريقة جديدة لكتابة العلامات الصّوتيّة، وألّف ملحمة أُخرى عُنوانها “فلتحيا الزّهور” بالإغريقية أطارت عقل الأستاذ في ستمائة صفحة!
هُنا كانت كلّ كلمة يقولها هنري هي الحقّ وفُتح له منبر التدريس في الجامعة رغم أنّه لم يُتمم دراسته بعد.

***

لمّا قرأ لأستاذ رسالة هنري، وفيما التقاه بعدها:
– هنري… بُنيّ؟
– أستاذ… رسالتُك جيّدة المعنى، لكن ردّك كان ضعيف الإنشاء !
– إلى هذا الحدّ… يا بُنيّ؟ !.

 

 

نُشِرت في قصص قصيرة | الوسوم: , , | أضف تعليق

هل (ان شاء الله) تبعك تحقيق ولا تعليق؟؟

كنتُ في المطبخ والمذياع مفتوح بينما اختي تصلح لي العشاء (حول كلمة أصلح وعلاقتها بالطعام وترجمتها راجع تدوينتي) حينما تكلم احد المسؤولين في المذياع -بما ان الاجواء اجواء انتخابات- وبدأ يلقي الوعود كعادتهم فقلت لاختي انتظري سيقول ان شاء الله فبعد ثوان قليلة قال ان شاء الله فابتسمنا لبعض وقلت لها ان شاء الله تبعهم تعليقية فقط ذلك انهم لا يطبقون ابدا ما يقولونه.

وهنا اسمحوا لي ان اشرح معنى التحقيق فلما تجد في تراجم الصوفية مثلا (وكان متحققا في مقام الزهد) او تحقق بمقام الزهد يعني ان زهده كان قولا وعملا وليس مظاهر زائفة فقط. وكذلك قوله كان عالما محققا اي متحققا بمقام العلم قولا وعملا وهذا هو معنى التحقيق اي تحقق ما تعي به وتؤمن به.

وقصة المذياع ذكرتني بقول ابن تيمية لما قال سيكون كذا وكذا وكان الامر متعلقا بالتتار فقال له الحضور قل ان شاء الله فقال ان شاء الله تحقيقا لا تعليقا.

فهو رحمه الله امام ذكي وعبقري لتفريقه بين (ان شاء الله) كعادة اجتماعية اي تعليق بلغته وبين (ان شاء الله) حقيقية متحققة بالاستعانة والتوكل على الواحد الاحد مع العمل الدؤوب والواقعي. وذلك يشبه ما روي عن السيد علي رضي الله عنه: استغفر الله من قولي استغفر الله. لان الثانية كانت (غير محققة) تماما.

ولذلك وضعتُ معيارا لتعرف ما اذا كانت (ان شاء الله) تبعك (تعليقا) او تحقيقا.

(ان شاء الله) التعليقية:

  • النية موجودة لكن العزم مختفي
  • الهدف مشوش والرغبة غير واضحة
  • لا توجد هناك اي خطة عملية تتضمن خطوات واضحة (فضلنا الموضوع في تدوينة مستر باين)
  • الاتكال على مجيء احداث سعيدة دراماتيكية (اسمها نظرية حقيبة المليون دولار على قارعة الطريق)

(ان شاء الله) التحقيقية:

  • النية والعزم موجودان بقوة وعمق
  • الهدف واضح والرغبة متأججة وحقيقية
  • هناك خطة عملية مفصلة مقسمة لخطوات عملية اقل وقد تم اجراء أولها في الوقت المناسب.
  • العمل مستمر (ديمة). والتراكم شغّّّال (التشديد ليس خطأ بل مقصود للأهمية)
  • التوكل على الله + خطط مواجهة السناريوهات السيئة متوفرة وعملية.

دمتم في الود.

 

 

نُشِرت في يومياتي, يونس بن عمارة | الوسوم: , , | أضف تعليق

رسائل وأحزان السّيدة التّعيسة

رسائل وأحزان السّيدة التّعيسة

قصة قصيرة خيالية

يونس بن عمارة

 

آن الأوان لأتكلّم عن نفسي، ولأنهض بقلمي ضدّ كلّ التّيارات وكلّ المذاهب، إنّ النّفسانيّين الحمقى وعلى رأسهم فرويد أرجعوا كُلّ شُعور إلى الجنس والبعض منهم أنشأ عقدا ومشاكل ولم يضعوا لها الحلول.

ويقولون أنّ الجمال سلاح المرأة، لكن لو دخل هؤلاء الحياة من بابها الواسع لوجدوا ما لم يظنّوا وُجوده. لقد عاش فرويد في عُزلة طوال حياته، وإن كان عاش العُزلة آخر حياته فقط.

لا أريد أن أبدأ هذه البداية، لكنّ الكلام جرى على لساني وحدهُ كما يقولون…

إنّ النّاس الآن لا ترى إلّا ثلاثة أشياء، وهذه الأشياء تراها كلّ فترة زمنيّة مُعيّنة، فالطّفل الصّغير يرى أنّ العالم “ملكٌ له” وشعاره “هذا كلّه لي”.

وعندما يكبرُ قليلا ويبلُغ، يصبح لا يرى العالم إلّا نساء جميلات ولا يرى إلّا تيريزا الشّقراء وماري البيضاء وكاثرين الحنونة…

وبعدما يتزوّج ويستقرّ ينظر إلى الأولاد والأحفاد.

هذه هي الأقانيم الثّلاثة “المال، المرأة أو قُل الفتنة والولد”.

هؤلاء هُم زينة الحياة الدّنيا.

والقليل من المُفكّرين العباقرة الذين تحرّروا من هذا المسار الطّاغي وجعلوا الحياة تسير وفق هواهم ولا تُسيّرُهم. ولكن هذا العمل صعب وصعب جدّا.

لأنّ فتنة الدّنيا أصعب بكثير من كلام زاهد وحُلم الشّهرة والمال والمحبّة يُرفرف فوق كلّ مُخيّلة لاهث وراء الدّنيا.

إنّ الذي يُفكّر في مقام أكبر منه، سيبقى يُفكّر بلا طائل.

يُضحكني هؤلاء الشّعراء المساكين، إنّهم يقولون:

“أحرقتموني أيّتها الفتيات،

لم تدعوا في قلبي موضعا صغيرا

إلّا وأحرقتُموه

كساحر مُشعوذ

يكتب الخُزعبلات

وأحرقتموني

بنار الشّوق والانتظار

لماذا أيّتها الفاتنات؟

لو قُدّر لمثلي أن تكتب الشّعر، لم تجد إلّا السبّ والشّتم خاصّة ضدّ صنف النّساء.

قد أبدو مُتشائمة، مُتشائمة جدّا، ولكن ما ذنبي إذا كانت الحياة هكذا…

أنا لستُ فنّانة حتّى أرى الحياة جميلة وأُريها للنّاس كذلك.

لو قُدّر لي أن أكتب الرّوايات، ما كتبتُ إلّا روايات البوليس والجرائم، لأنّ هذا حقّا ما يجري في الحياة. إنّ الرّوايات التي تصف الطّبيعة، كما يقول بعضهم تصلح للسّيّاح، وقراءتها تكون في سفينة راقية تمخر عباب البحر، لا في مطبخ، السّيد فأر يشغله بلا كراء.

لو قُدّر لي كتابة الشّعر، لكتبت عناوين قصائدي “بحث عن عمل” و”وصل كهرباء” و”قرعة الباب المُزعجة”. وإن سألتني عن هذه الأخيرة، فسأقول لك، قرع ُ السّيد غوركي للباب يُطالب بكرائه ! ولن تجد عناوينها “حبّة ليمون في جيب حبيبتي !” أو “صداقة شقراء !”.

ولو قُدّر لي أن أكتب القصص، لكتبتُ قصّة عن أُمّي وكيف طُلّقت وماتت مريضة وأبي الذي سُجن وتعفّن هُناك حتّى مات، وأنا التي أصبحتُ خادمة في البيوت.

اعذروني أحبّائي الأغنياء، ليس لديّ قصص روميو وجوليات، ليس لديّ قصص سندريلّا لأحكيها لكُم.

لقد جعلتُ عُنوان هذا الفصل مُنبّها إلى ما يحتويه “حياة تعيسة”.

وهُنا توقّف سيل قلم السّيدة، ليبدأ بلون آخر يحكي لونا آخر من حياتها.

لجدّ ما كُنت مُخطئة، مُخطئة ! لقد قرأ سيّدي ما كتبت صُدفة، حينما نسيتُ أوراقي في المطبخ ليلا، نهض السّيد وسأُسمّيه السّيد نيكولاي تاميلفيتش فورسايت… وهُو يسعُل حتّى وصل إلى الثّلاجة وفتحها، هُنا قد يتساءل الفضوليّون: لماذا لم يستدعني؟ فأقول أنّه لا يفعل ذلك إلّا في النّهار، فهُو كما قال: هذه هي عادته. وأصلا هُو نادرا ما ينزل تحت في الليل. شرب الماء ثُمّ عبّ العصير، وعلى ضوء الثُلاجة لاحظ الأوراق التي نسيتها.

حملها برفق، وقرأ ما شاء اللّه أن يقرأ. أعجبه ما كتبته جدّا، لذلك لم يصبر حتّى الغد وصعد إلى مقصورتي.

دقّ الباب بلُطف، كُنت نصف مُستيقظة… – ادخل سيّد فورسايت !

– شُكرا تاندلا. هل تسمحين لي بدقائق؟

– سأُتيح لك ساعات سيّد فورسايت.

شجّعته هذه النّبرة الهزلية فجلس على الكُرسيّ، اعتدلت في السّرير، قدّم لي الأوراق ففطنت حينها لمقصده.

– آه، شُكرا لك، لقد نسيتها في المطبخ.

– لا شُكر على واجب، أنت مُبدعة… ثُمّ لاحظ منظري وأضاف: أنت رائعة تاندلا…

لقد كان مظهر الغُرفة على ضوء مصباح الدّرج رُومانسيّا وحالما للغاية، ولونُ السّرير والغطاء والمنامة: ورديّ يبعث على أمور لا تحمدُ عُقباها.

– شُكرا سيّدي.

نظر إليّ بنظرة ماكرة وأضاف:

– وهل في نيّتك أن تكتبي عنّا؟ لم يتفاجأ لمّا قُلت:

– أجل.

– حسنا، وهل تسمحين بمعرفة رأيك؟

– سيّد فورسايت العزيز… أيّها العجوز المُتحذلق لماذا تُراوغ دائما؟

ضحك حينها نيكولاي وقال:

– لا أُراوغ تندلا. احكي لي.

– لقد قرأت عزيزي العجوز ! “ليست لديّ حكايات أحبّائي ! “.

وهُنا التمعت عينا السّيد فورسايت وقال: “هل تعلمين أنّي كاتب؟”.

– هذا ما سمعتُه منك لأوّل مرّة، السيّد نيكولاي تاميلفيتش فورسايت كاتب مشهور، لهُ تسع وتسعون ديوانا !

– حقّا !

– الآن سأروي لك حكاية.

تركها السّيد فورسايت تحكي: يُروى أنّ شابّا خرج من المقهى ثملا وكان سُكره غير ظاهر، فالتقى بصديقه وكان صديقه موهوبا بالكتابة، ولمّا تحدّثا قال الموهوب: جيم، هل تعلمُ أنّني كاتب؟ فضحك الثّمل وأجاب: مارتن، هل تعلمُ أنّي كتاب !

ضحكنا هُنا كلانا ثُمّ قال:

– ولكنّ حكايتي مُختلفة، أنا حقّا كاتب. وسوف أُريك الدّليل على ذلك. اتبعيني إلى حُجرة المكتبة.

كُنت لا أزال في فراشي، فتدلّلت عليه:

– ولكن فورسايت ! هل أترك الفراش الدّافئ لكتب بغيظة؟

قال فورسايت بمرح:

– خير من أن أترك أنا الكتب البغيظة لآتي للفراش الدّافئ !

فخجلت وقلت: آه… إذا كان الأمر كذلك، سآتي معك إذن، وفورا !

كُنتُ لا أزال في الفراش. فنظرنا لبعضنا نظرة بلهاء… ثُمّ قُلتُ له:

– سيّد فورسايت ولكن أخرج !

في حُجرة المكتبة أراني كمّا هائلا من المخطوطات، عناوينها كانت عناوين كُتب اشتهرت زمنا ثُمّ ذوت كذويّ الغصن الذّابل.

– أحقّا كُنت أنت الكونت دي مونتر نيرو؟

– أجل…

– إذن أنت صاحبُ القلم السّحري، صاحب آلام ماري وتُفّاحة آدم…

– أجل… لقد اكتشفتُ فيك إبداعا، تاندلا أنت مُبدعة.

– وكيف عرفت؟

– أنت شاعرة، والدّليل… وأخرج أوراقي السّابقة وبدأ يتلو ما كتبتُه: “اعذروني أحبّائي الأغنياء ليس لديّ قصص روميو وجوليات ليس لديّ قصص سندريلّا لأحكيها لكُم…”.

وأخرج ورقة وقلم وقال:

– سوف نُعطيها عُنوانا.

وكتب وأنا من ورائه أقرأ:

“قصيدة بعد الثانية عشر

اعذروني أحبّائي

واقبلوا عذري

فأنا مسكين

اعذروني أحبّائي

أيّها الأغنياء

فليس لديّ قصص

ولا مسرحيّات

ليس لديّ الحبيب روميو

ولا الحبيبة جوليات

ليس لديّ رغيف

ليس لديّ وجبة دسمة

ليس لديّ إلّا قصّة

سندريلا حيّة في حياتي

أمّا مطبوعة في ورق أو ذاكرتي فلا

اعذروني أحبّائي

واقبلوا عُذري…”

ثُمّ قال: ما رأيُك؟ فقبلتُه وقُلت: حقّا أنت شاعر… !

 


رسائل وأحزان السّيدة التّعيسة، قصة قصيرة خيالية، يونس بن عمارة نوفمبر 2017، كل الحقوق محفوظة.

 

نُشِرت في قصص قصيرة | الوسوم: , | أضف تعليق

المكتفي بالله لمّا يكون سِكْسي

ترجمت مقالين لتقنية 24 الاول مهم للمترجمين كورشة تدريب مفتوحة (يمكنكم ترجمة بعض القطع الادبية من ارشيف الانترنت دون القلق بشان الملكية الفكرية).

أكثر من عشرة آلاف كتاب سيتم رقمنتها وتصبح متاحة مجانًا على أرشيف الانترنت Internet Archive

وخبر عن لعبة اوبر تساعدكم في فهم الضغوطات التي يتعرض لها المستقلون تماما.

لعبة أوبر المجانية على المتصفح تجعلك تستمتع وتفهم العمل الحر بشكل رائع!

ورد فيها مصطلح ترجمته بالاقتصاد التعاقدي الحر. وهو GIG ECONOMY

أولا ما هو الاقتصاد التعاقدي الحر ؟ يُعرّف الاقتصاد التعاقدي الحر GIG ECONOMY كالتالي: يشير الاقتصاد التعاقدي الحر إلى السوق المتنامي للعمل المستقل (الفريلانس) أو العقود قصيرة الأجل، التي تستبدل الوظائف التقليدية الدائمة بالأرباح

القراءات: جزء من مقدمة محقق كتاب كشف الظنون وجزء من كتاب الفهرست لابن النديم.

في فهرست ابن النديم وجدت في كلامه على اقلام الاقوام الاخرى ذكرا لرسالة الملكة بيرتا للمكتفي بالله واحال محقق الكتاب لمجلة المقتطف وبحثين احدهما انجليزي كاتبه عربي والاخر الماني لا ادري من كاتبه وكتابين التحف والذخائر لابن الزبير واخر نسيت اسمه على كل حال التحف والذخائر كنت على دراية به لانه صادفني في ترجمة الحضارة الاسلامية في ثلاثين شخصية في فصل محمود الغزنوي.

البحث المنشور في المقتطف عن الموضوع مترجم لمستشرق وهو يتكلم عن الرسالة ويقول ان بيرتا لم تطلب الزواج من المكتفي بالله مع انه في نهاية البحث يقول ان هذه الملكة بالذات بدأت ما يسمى لديهم حقبة العهر ويعبر عنها بمصطلح تاريخي بورنو -كذا للاسف نسيت الاسماء لاني لم احفظها جيدا. لكن هذا يناقض ما قاله انه من غير المحتمل انها طلبت منه الزواج بل يؤيده المصادر العربية تقول انها ارسلت هدايا ورسالة مع عربي تم اسره وبقي هناك محقق ابن نديم او محقق التحف والدخائر نسيت من بالضبط يقول في هامش ماكر ان الاسرى القيمين يتم اتخاذهم للمعاشرة المهم هي ارسلت هدايا ورسالة ورجلا عربيا مع سر لا يقوله الا للخليفة شخصيا افترض المؤرخون العرب انه طلب للزواج -ويؤيد ذلك كما قلنا بحث المستشرق الوارد في مجلة المقتطف 🙂

 

نُشِرت في يومياتي, الكشكول | الوسوم: , , | أضف تعليق

وآخرها: لقاء.

وآخرها: لقاء.

قصة قصيرة خيالية طريفة

يونس بن عمارة

 

يا لعملي السخيف، إنه سخيف حقا حيث ألتقي بالأحياء والأموات يوميا، من فضلكم لا تعتقدوا أني حفار قبور كلا لست كذلك أنا وكما تقول زوجتي دائما ((ببساطة موظف في شركة اعلانات بالجرائد)).

أما الأمر الذي لا تقوله زوجتي فهو أني (ذكي) وهذا ليس غرورا بقدر ما هو واقع، أنا لا أنتظر أحدا ليعرفني بذكائي. لقد نقشت منذ زمن طويل على خاتمي الفضيّ (أنا ذكي). وقتئذ نظر إلى الصائغ بعينين بلهاوين:

  • ماذا… لم أسمع؟
  • هل تسمع إلا رنين النقود والأرقام الكبيرة؟

قال بجفاء: ومن منا لا يسمعها؟

  • حسنا…أنقش ما أخبرتك به إذن

قد أكون غريب الاطوار ولكنني أعلم أن غريب الأطوار في الموضوع هو مهنتي العجيبة.

كنت جالسا في المقهى…والجلوس في المقهى في نظري هواية لا بعدها ولا قبلها…حين ربّت على كتفي أحدهم لألتفت وأجده صديقي..منعم.

  • آ…منعم ..اجلس من فضلك
  • أنت دائما مع الليمون؟
  • أنا دائما مع الفيتامين… هل أتيت لتؤانسني هنا بعدما طردتك امرأتك من البيت
  • طبعا ..عشنا وشفنا زمان وصلت فيه أطوال ألسنتهن للقمر..ثم أضاف:
  • لو كنت أطلب طلبا واحدا من الله يحققه لي لطلب الزوجة الصالحة…
  • الاشهارات والأفلام الان لم تعد في حاجة لسوبرمان أو باتمان…المرأة اللطيفة الشريفة هي الأمل والغاية وهي الاسطورة الخيالية الموجودة حاليا..
  • يا له من واقع مر ..ثم قلت ضاحكا:
  • اياك وأن تزيد مرارته بالقهوة..أتى النادل حينها وطلبت لمنعم عصير برتقال.
  • لا بأس

ثم سرح منعم كعادته في شروده ليفيق منه فجأة..

  • هل أنت من يعمل بقسم اعلانات الزواج؟
  • ولم؟
  • انه لمحظوظ ذاك الذي يعمل هذا العمل…نساء جميلات. مواصفات مطابقة لهوى المرء.

قلت ضاحكا بشدة: لقد كنت أعرف! أنت لا تقرأ إلا الجرائد الاخبارية…لقد كتبت مقالات عدة لمجلة ‘حواء’ أو ‘ايف’ كما يسميها الغرب بعنوان (كوارث اعلانات الزواج).

  • ها… لقد سبقتني اذن!
  • لقد سبقتُ الجميع ..الزواج بالورق…يبقى على الورق…فكم من رجل أتى مشاجرا الجريدة لأن مخطوبته كتبت (جميلة) بدلا من (بارعة الجمال) وأن هذا الامر يسبب له ضررا معنويا بوصفه (رومانسيا للغاية). ولكن الأرشيفات تقول أنه طلقها بعد شهرين في قضية شرف ونقلت بعض الكلمات التي قالها هذا الرومانسي جدا في المحاكمة في مقالاتي وهي كلمات أقل ما يقال عنها أنها (بذيئة) أو آخر يشاجرنا لأنها كتبت (مقبولة) وهي (غولة) أو لأنه أسود ويقول أنه أسمر ..إنها أشياء مضحكة..لذا فإننا كتبنا في ركن اعلانات الجريدة:

“طاقم الجريدة غير مسؤول عن المواصفات الشخصية ولا يترتب على نشر الاعلانات أي مسؤولية أدبية أو قانونية”

قال منعم وهو يبتسم: يبدو أن عملك طريف..

  • أبدا ..انه التناقض المر في الواقع.. لقد أتت إلي جميلة حسناء لتنشر اعلان زواج، قالت وهي تمضغ العلك بتأنق: بكم تنشرون اعلان زواج في صفحة كاملة؟

قلت مبتسما: لا ننشر!…ألم تعجبك القوائم الصغيرة؟

  • كلا
  • إذن لتحقيق مرادك..يجب عليك خلق جريدة لك وحدك!! ثم عدت للموضوع:
  • الشرط الواضح هو: نسخة من بطاقة التعريف، رقم الهاتف ولذا أقول (إن وجد) لأن حسناء مثلك لا بد من امتلاكها لنوع راقٍ منه ..(وهنا احمرت أو تظاهرت بالحياء الذي يعجب الرجال الفحول) ولا داعي في الأخير لحضورك شخصيا..هنا.
  • أعرف ذلك لكنني لا أعرف الانشاء…ولا أعرف وصف نفسي…وخطي رديء جدا..فإني أكتب أحبك ويقرأها الناس من ردائتها: أكرهك!!.. وكما قلت لك لا أعرف وصف نفسي.. فأصدقائي من الذكور يقولون أني بارعة الجمال..بينما صديقاتي يقلن أنني عادية.. أظن أن ذلك من غيرتهن..

ضحك عبد المنعم بشدة ..فواصلت: قلت لها ببلاهة.. أن نصفك الأعلى مقبول بالنسبة لصديقاتك أما نصفك الأسفل فهو بارع الجمال حقا بالنسبة لأصدقائك، وهنا غضبت جدا وقالت: عيب أن يوظفوا وقحا سافلا مثلك ..فقلت ببساطة:

وعيب أن يكون لآنسة محترمة وجميلة مثلك أصدقاء وتبحث عن زوج..يا آنستي الزواج ليس تجارة والزوج ليس سلعة وهذا المكتب ليس كنيسة تزويج لقد كنت لبقا معك…

  • واذن؟ النتيجة! ألن أكتب اعلاني؟
  • حسنا فلتتفضلي باعطائي البطاقة …بطاقة التعريف ..أما القسيمة للوصف فسأعفيك منها.. كانت جالسة طوال حوارنا بهدوء:
  • من أي صنف تريدين أن يكون زوجك؟

عاودها حياء طفيف والتمعت عيناها وقالت بابتسامة:

  • موظف عادي…له سكن… لا يفوق الأربعين..ملتزم ولطيف..ثلاث أشياء غيرمهمة الشكل أو أن يكون متزوجا بواحدة أو أكثر أو أن يكون مطلقا والشيء المرفوض هو أن يكون معاقا..
  • حسنا…لماذا منضبط؟ أقصد (ملتزم) على حد تعبيرك..
  • لأغراض خاصة…

قلت لها بمرح ابتسمت له: سأكتب امرأة جميلة في الخامسة والعشرين من عمرها. موظفة؟

  • أجل.. في القطاع الصحي.. ممرضة
  • اسمحي لي يا آنستي ..لكن المستشفى يحوي كنوزا من الاعلانات تلقائيا!!
  • ولكن أتعرف ما هو اسم المستشفى الذي أعمل به؟
  • لا
  • مستشفى سين للأمراض العقلية

فضحكت لهذا الخبر وقلت: سنقول ممرضة وكفى!

كتبت بضعة معلومات ورؤوس أقلام على الورقة..طلبت منها عنوانها …ورقم هاتفها…ثم قلت بمرح.. انتهى كل شيء…

قالت بتلعثم وبعد؟

  • وبعد!…قلت لها شارحًا كأستاذ: وبعد يا آنسة سوف يتصلون بك على عنوانك البريدي أو هاتفك ويحددون معك مكانا ووقتا للقاء…وبعدها..وإذا تم التراضي (بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما بخير)
  • أرجو ذلك…أشكرك..أرجو أن تكون صديقا لي.
  • الصحفي دائما صديق كل الناس…
  • ولكن لا أظن أن هذه المعلومة تدخل قاموس زوجتك عندما يكون الصديق (أنثى).
  • لقد راقبتِ كفي! يالنساء..قال وخاتم الزواج يلتمع في اصبعه
  • شكرا

كان منعم قد شرد منذ بداية الحكاية…ومنسوب عصير البرتقال في الكأس لم ينفذ بعد.

  • منعم.. أظن أن الأولاد والزوجة ينتظرون

قال مذعورا: آ…؟ ماذا؟…رددت قائلا…حان وقت الرحيل…كان قد تيقظ تماما: ألم تلاحظ شيئا؟

  • ماذا؟
  • ان مواصفات الفتاة تنطبق عليك تماما…صفقت بيدي هلعا وقلت:
  • آه…يا لي من غبي..وأخرجت الهاتف النقال ورقمت عليه رقم هاتفها
  • آلو…هيفاء؟ قالت مباشرة كما لو كانت تنتظرني:
  • لقد تأخر دماغك في استيعاب الحكاية أربع وعشرين ساعة وست وثلاثون دقيقة..يا لغبائك..اكتب على خاتمك…قلت لها بلهفة مقاطعًا:
  • سأكتب…أنا أحبك…أين أنت الآن؟
  • في منزلنا..
  • حسنا
  • أنا أنتظرك…ثم وضعت شفتيها على السماعة…كقبلة عصرية.

وآخرها: لقاء. قصة قصيرة خيالية طريفة © يونس بن عمارة، كل الحقوق محفوظة. نوفمبر 2017.

نُشِرت في قصص قصيرة, يونس بن عمارة | الوسوم: , | أضف تعليق

مراجعتي للمجمع المفنن.

ملاحظاتي

– في عصر عبد الباسط ين خليل الملطي من السهل جدا ان اكتسبت العلم ان تترقى لاعلى المناصب وترأس شؤون الجيش نفسه والعديد من المناصب المهمة الاخرى ولا يهم اصلك ولا خلفيتك لكن العلوم المطلوبة هي الشرعية بالاساس وبالاخص الفقه. التخصصات الاخرى تنال مناصبا عالية ايضا. مثل الطب.
– الكثير ممن ترجم ابن خليل الملطي لهم يمارسون الرياضات المختلفة مثل المصارعة واغلبهم يتقنون الرمي بالسهام والكثير منه خرجوا للغزو. هناك ايضا ذكر لممارسة لعبة الشطرنج والتولع بها.

– سيرة القضاة معظمها عادلة والظلم نادر يعني الجهاز القضائي معافى وممتاز مع انه من سوء حظك ان وقعت في يد قاض مالكي ذلك العصر.

دون قراءة السير الذاتية والتاريخ بدقة من الخطأ ان نقول ان عصر المماليك كان عصر انحطاط وتساهل في سفك الدماء والقتل. بالنسبة للشعب كان المماليك جميعا متشابهون والقتل يقع عليهم هم دون الشعب في غالب الامر. لو قارنا المماليك بالعصر الحالي لوجدناهم حكاما جيدين في معظم الوقت.

– الاضطراب السياسي الشديد (مقتل توران شاه وتولي شجر الدر لمدة قصيرة ومقتلها الخ) لم يمنع الشعب من الدفاع عن الوطن فالشعب والارادة السياسبة رغم اضطرابها أذاقت لويس التاسع مر الهزيمة.
– الوحدة الاسلامية قوية وموجودة وهذا عجيب نظرا لانه في عصرنا تونس هي من بدات الربيع لتستجيب مصر من هناك. لكن في التاريخ نقرأ قول الشاعر “يا فرنسيس هذه أخت مصر”.
– التنوع المدني والثقافي ممتاز
– الكثيرون مهتمون بالعلوم والكتابة والتوثيق. ومدار ذلك على الحديث والسنة مما ينبه الى انه لولا الحديث النبوي لذهب التاريخ العربي كما نعرفه الان يمكن 99 بالمئة منه. وهذا من بركة كلام النبي عليه السلام ومنافعه.
– اللغة فيها تنوع ولم تكن العربية الفصحى لديها مشكلة مع جاراتها كما نشعر الان بالتوتر والتهديد عليها كل ثانيتين. لا يوجد نازيون لغويون يخطئونك في كل حرف تكتبه لم تكن الانتقادات تنصب على اللغة بالاساس بل على الافكار باختصار عدد من كانوا يجيدون اكثر من لغة كبير جدا وهم من العلماء فضلا عن العامة ولا يقتصر الامر على التركية والعربية فقط.

Screenshot_1.png
مصدر الاقتباس: عقد الجمان في تاريخ اهل الزمان لبدر الدين العيني عصر سلاطين المماليك الجزء الاول صفحة 31.
تنويه: دار ابن لقمان هي الدار التي اسر فيها لويس التاسع والطواشي صبيح المعظمي هو من أوكلت له مهمة التحفظ عليه واسره.

نُشِرت في مراجعات الكتب, اقتباسات, الكشكول | الوسوم: , , | تعليق واحد

قبل أن تنوح على اللغة العربية: لماذا لا تقوم ببعض البحث؟

أكره العويل الدائر في اللغة بالأخص القائم على ملاحظات شخصية يتم تعميمها لتصبح فجأة حقائق كأن الكاتب أو الكاتبة قامت بدراسات واستخلصت النتيجة المخزية. العرب مؤسفون لانهم يقولون دون ان يجروا اي دراسة (لكننا نحن نعرف  مسبقا) وهذه هي المشكلة الحقيقة انه لا يعرفون مسبقا اي شيء.

من المقالات النائحة على حالنا هذا المقال ولأني لم اعد اثق في مواقع غير مدونتي وقد تعبت في التعليق الذي يصلح مقالا اعيد نشره هنا. مع زيادات روابط مثبتة لما اقول.

السخرية من مجمع الخالدين (مجمعات اللغة العربية) قام بها بشكل رائع غازي القصيبي في روايته العصفوية فهو قد فجر اللغة العربية بشكل ساخر ولاذع جدا لذلك من يريد التهكم عليهم فليطالع الرواية الممتعة.

لكن دعني اذكرك انه لما بدأت المطبعة بانتشار في البلاد العربية واجه العرب نفس المشكلة التي نواجهها الان. (من المؤسف انه لا توجد دراسة تجعلنا نستفيد من هذه التجربة) كان المترجمون يترجمون من الجرائد الفرنسية والايطالية والانجليزية بشكل مكثف ومهول وغير مسبوق.

وقد يدهشك هذا لكن الكثير من الامور التي اقحموها في اللغة العربية خطأ مثل اسماء المخترعات الجديدة وغيرها عادت واصبحت عربية الان مثلا الاوتومبيل اصبحت سيارة كمثال بسيط واحد. (هناك مثلة رائعة لو قرات مجلة لغة العرب للكرملي)

كان هناك في عصرهم اب جليل اسمه انستاس الكرملي اسميه قديس اللغة العربية وهو يقول ان المشكلة ليست في العجز كم تقول بل في عجزك انت. وهو يقول انه لا ينبغي عليك ان تقول بعجز اللغة لانه لا يمكن لواحد ان يحيط بها. نحن كامة عاجزون فاشلون؟ بالتاكيد اللغة ؟ لا ابدا.

ان شعرت بالاستلاب فهو شعور فردي لا تعممه على الاخرين.

قرات الكثير جدا عن اللسانيات واللغة انبهك قبل ان تتكلم عن تطور اللغة كانه حقيقة علمية الى انها ليست حقيقة علمية اصلا. هي نظريات ولها (علميا) ما يناقضها والحديث في هذا المجال متشعب النظرية الحالية لعلم اللغات سائدة لان لها دعم وليس لانها صحيحة وكما يقول عبقري اللغة العربية الفارسي الجليل ابن جني “الناس قد يجمعون على الخطأ” وهذا ما هو حاصل في كثير من النظريات. التي اصبحت بقدرة قادر حقائق غير مشكوك فيها ان نوهت او لمحت باحتمالية خطاها اصبحت من الرجعيين. فكرة مثلا اللغة كائن متطور مشروحة بدقة قبل الغربيين لو طالعت المزهر للسيوطي مثال بسيط اخر قبل قرون من ان تعلن الاكاديمية الفرنسية ان البحث في اصل اللغة ممنوع في بحوثها قال احد النحويين والمتكلمين ان هذه المسالة بلا فائدة -يمكنك ايضا الرجوع للمزهر للسيوطي- لكن لماذا بحوثها اذن لان لديهم عقولا. هم يكتشفون المنطق وقد قاموا بواجبهم من الذي لا يقوم بواجبه الان هو نحن.

اين المشكلة من جمدها اذن؟

باختصار كثيرون منهم:

  1. القومجية العرب
  2. المستشرقون الحاقدون (راجع الاستشراق لادوارد سعيد)
  3. التخلف العام الذي طال كل شيء.
  4. التدخلات الاجنبية التي اجهضت عن عمد مشاريع جليلة.

اضافة الى ان قواعد النحو الاعراب (عدا الاملاء وهذا تحتاجه ان كنت تعمل في مجال المحتوى فقط) كلها ليست من العلم الضروري مشكلتي ليست مع اللغة الانجليزية مشكلتي في اقتصار بعض العرب عليها مع ان هناك علوما روسية وصينية واسبانية وبرتغالية لذلك لما يقول العرب الاجنبي فهو يقصد الانجليزي عادة وانا عادة ما ارثي لمن يرى العالم بالانجليزية فقط.

اضف ايضا الى انه لا يوجد لدينا اي احصاءات عن معدل استيعاب اللغة العربية لكني قمت بتجربة صغيرة كما حكيت في بعض يومياتي في الجزائر هنا والاستيعاب الغوي للعربية الان (من 2008 الى 2017) كمثال مرتفع جدا جدا عما كان عليه قبل عشر سنوات. انا اجزم انه مرتفع للغاية في كل البلدان العربية الان لكن لا دراسات عن ذلك للاسف.

استعملت ترجماتي وقدمت عدة مقالات مترجمة واخرى اصيلة لفئات عمرية مختلفة وخلفيات مختلفة من البناء حتى مدير محل قطع غيار (بعضهم كان يتعامل بالفرنسية طيلة حياته) مع طرح اسئلة عليهم والاجابة وكان متوسط معدل استيعابهم تسعين الى خمس وتسعين في المئة. سيدهشك مثلا حسب دراستي ان الرسوم المتحركة المعربة كان لها اثر كبير جدا في التنمية اللغوية العربية.

انظر مثلا احصائية المطالعة العربية كلها خطأ والاحصائية الحقيقية ستدهشك.

حقيقة المشكلة ليست في اللغة ابدا المشكلة فينا. شخصيا لا املك اي مشكلة مع اي لغة او لهجة لو قرأت مثلا نشوار المحاضرة لرايته يستعمل العامية ومنذ قديم الزمان كتب التراث مليئة بالاخطاء لدرجة يتعذر تصحيحها تابعي جليل يروي حديثا عن عمر الفاروق ويقول وكنت رجلا عربيا لكني لا اعرف ما عرق القربة ما هي بينما عمر نفسه يقول لاادري ما ضيزى.

ابن عمر يقول لجاريته كلمة اجنبية تعني حسن وهي قالون قالها ايضا علي كرم الله وجهه ويقول النبي عليه السلام “يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع سورا، فحي هلا بكم” والسور هو المأدبة بالفارسية ومخاطبته الجمهور بما يفهم يدل ان العربية تقبل وتتوسع في اللغات بلا اي مشكلة ابدا (الخندق ايضا ليست عربية ويقول انستاس انها يونانية فيما اذكر). كما ان سيدنا علي يكتب علي بن أبو طالب مع انه معروف ان الصحيح ان تكتب بن أبي طالب وهذه حيرت اصحاب العقول المغلقة -بعد قرون- لكن من فقه وعلم يرى انها صحيحة تماما (وشرحها يطول وهي موثوقة وموجودة).

مشكلتنا اننا نضخم المشاكل

اعلن لك من هنا ان العربية بخير وان كانت لديك مشاكل معها فالارجح انها مشاكل شخصية لا عامة. لان العام لا نعرفه لاننا لا نملك دراسات والعينات الصغيرة التي قمتُ بها اثبتت عكس ما تقوله وكما قلت ادعوك لعمل تجربة صغيرة وسترى بنفسك وادعوا الكل لذلك. وسيرون بانفسهم.

تحديث مهم: بعد كتابتي هذه التدوينة قرأت المقال الرائع للأستاذة سوسن الأبطح عبر مدونة بلال عبد الهادي (العالم يطالب بالعربية)  وهو مقال رائع أنصحكم به لكن اليكم منه رؤوس أقلام مهمة. للعلم الأستاذة سوسن الأبطح باحثة أكاديمية ولا تعتمد على مصادر مشكوك فيها أو مريبة:

  • «المجلس الثقافي البريطاني»، ينشر تقريراً جديداً، يؤكد فيه أن اللغة العربية ستكون ثانية في المملكة المتحدة بعد سنوات، وأن الفرنسية ستأتي متأخرة بعدها.
  • ليس من اعتراض، وإنما تساؤل عن سرّ التركيز المتزايد على ضعف العربية ولا جدواها، فيما العالم أجمع يرسل بإشارات حول أهميتها، وتمددها والحاجة المتصاعدة لتعلمها. أمر ينعكس سلباً على طلابنا الذين باتوا يتوهمون بأن إجادة لغتهم مجرد عبء لا طائل تحته. مع أن القاعدة الذهبية تقضي بأن عدم إتقان لغة أولى يعني الفشل في معرفة عميقة بغيرها. وهذا رأي لخبراء في التعليم لهم باع دولي، وليس اجتهاداً شخصياً.
  • يبدو بعض كتاب الجيل الجديد متعطشاً للشهرة، مستعجلاً الوصول، والإحساس بالدونية أمام الغرب تفعل فعلتها. محمد شكري ترجم إلى 38 لغة دون أن يزعج نفسه بتنازلات لا طائل تحتها، ونجيب محفوظ حصل على نوبل دون أن يغادر القاهرة أو يتكلم لغة أجنبية، ووجد ألف سبيل ليتحايل على اللغة والأسماء والأحداث، ليقول أخطر ما يمكن أن يعبر عنه أديب. ولم يقل محفوظ كما كمال داود عن العربية بأنها «مكبلة، ومفخخة بالمقدس ومقيدة بالآيديولوجيات» وعاجزة، بينما الفرنسية هي «لغة الحلم، والتعبير عن الأخيلة».
  • بعد عشرين سنة من هجرته إلى فرنسا حكى أمين معلوف «أنه يرى أحلامه بالعربية» بلغته التي تكلمها وتعلمها وتنفسها بطبيعة الحال. أن تعتبر سليماني «الفرنسية هي لغة الحرية والانفتاح والتشارك» فهذه مهمتها الرسمية التي ارتضتها، ولا بدّ أن تخلص لها. لكن العربية يجب أن تجد أيضاً من يدافع عنها من أبناء جلدتها، وألا تترك المهمة للآخرين، فهذا أمر مشين.
  • تركيا تعيد العربية إلى المدارس، وتعزز مكانتها التاريخية في البلاد. للأمر دوافع سياسية بطبيعة الحال، وربما آيديولوجية أيضاً. لكن السويد أيضاً باتت لغة الضاد هي الثانية فيها بدل الفنلندية. وصفوف تعليم اللغة العربية تتزايد في كل مكان، لحاجة لها في تلك البلدان وليس بتشجيع من أحد، فهؤلاء يتحسسون التغيرات المقبلة. إضافة إلى اللاجئين، ثمة مصالح وعلاقات تجارية يتم التحضير لها.
  • ألمانيا تريد إدماج جحافل المهاجرين السوريين ولا تجد وسيلة سوى إدخال العربية كمادة إلزامية في المدارس. لكن هناك أيضاً المسلمين من الأتراك الذين يجدونها مناسبة لتعلم لغتهم الدينية، أما في الصين فامتد تعليم لغة الضاد إلى 13 جامعة غير المراكز الصغيرة المتفرقة.

ما يمكن قوله هو شكرا للدكتور بلال عبد الهادي وزميلته المثقفة سوسن الأبطح ويشرفني أن أضيفهما للوحة امتناني التي تنمو يوما بعد يوم.

تحديث مهم آخر 2:

أوضح مسؤولو «لَبلِب» أنّ ظاهرة «عربيزي» أخذة بالتلاشي، وفقاً لإحصاءات متنوّعة متو فرة لديهم. وأشاروا إلى أن تلك الظاهرة نجمت عن إقبال الجمهور على الكتابة باستعمال الخليوي، قبل أن ينتقل إلى الكتابة المتوسعة على صفحات الـ «سوشال ميديا». ولسنوات طويلة، كان يتعذر تقديم لوحة مفاتيح للحروف العربيّة، وهو أمر صحّحته التقنيّات الرقميّة في السنوات الأخيرة، ما جعل كتابة الـ «عربيزي» تتضاءل بسرعة. المصدر.

روابط قد تفيدك حول لبلب: 

  1. احدى مسؤولات لبلب تناقش المحرك على حسوب.
  2. تحديثات المحرك ونقاشها على حسوب.
  3. تقنية 24 أول موقع تقني عربي يغطي خبر اطلاق محرك البحث لبلب.

 

نُشِرت في مقالاتي | الوسوم: , | 2 تعليقان